رأي النهضة الشعب اللبناني وجمعية الجزويت

النهضة، بيروت،
العدد 112،
10/3/1938


في سورية فروع لجمعية الجزويت موحدة الأعمال في لبنان والشام وفلسطين. ورسلها منتشرون في الأرجاء السورية يعملون فيها لنفوذهم وللسياسة التي يردهم تعليمات باتباعها. وهذه الجمعية نظامية ولها رتب ووظائف متسلسلة ومؤسسات شعبية وثقافية تعمل بإدارتها لأغراضها المحلية وسياستها العامة الدخيلة على الأمة.
وقد قامت هذه الجمعية في سورية بأعمال تبشيرية كثيرة، وحاربت الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية واجتهدت في محاربة الأديان غير المسيحية. ولم تكن حربها عقائدية فكرية فحسب، بل حرباً سياسية أيضاً. ومنذ قيام هذه الجمعية في هذه البلاد أخذت تتدخل في حياة الشعب وتسعى لضبط التيارات الفكرية والروحية المتولدة فيها وتحويلها في اتجاهها الخاص الذي به قضاء أغراضها.
وهذه الجمعية هي أجنبية قبل كل شيء ودخيلة على الشعب السوري وحياته. وأفكارها تكوّن دورة تامة تعود إلى مصادرها الأجنبية. وفي كل أعمالها ومشاريعها تستعين بالنفوذ الأجنبي على حرية الشعب وأفكاره المعبرة عن حاجاته. ومع أنها تفضل نفوذ بعض الدول الكبرى على غيرها فهي مستعدة دائماً لخدمة كل نفوذ أجنبي يؤمن لها مصالحها ونفوذها. وعلى هذه القاعدة تستند في أعمالها السياسية. فهي نبتة غريبة تحاول أن تلتفّ على النبت الوطني وتقتله.
ووسيلة هذه الجمعية السياسية هي الدين، فباسم الدين تتدخل في جميع شؤون الشعب، وباسم الدين تعلم التعاليم التي تريدها، وباسم الدين تربّي الروحية والعقلية، بواسطة مؤسساتها التعليمية وغيرها، تربية تخضعهما لاتجاهها وأغراضها. فهي ترمي إلى السيطرة الروحية والزمنية بواسطة المؤسسات والمنشآت والتعاليم التي تقيمها.
يريد مركز هذه الجمعية الأجنبية في بيروت أن يخضع عقلية الشعب اللبناني وروحيته لسياستها وأغراضها، حتى أنه يحاول تزعّم لبنان. فلما نشأت النهضة السورية القومية في لبنان بتفكير سوري مستقل، مستمد من حاجة الأمة السورية التي يؤلف الشعب اللبناني صميمها، أدركت هذه الجمعية الأجنبية أن زمن استعباد الشعب اللبناني لسحرها وسياستها وأغراضها قد آذن بالزوال فثار لهذه الحقيقة ثائرها ورأت إلا تسلم للشعب بالحرية إلا بعد معركة حامية، شأن جميع السلطات الرجعية.
ولا شك في أنه كان لنفوذ هذه الجمعية وتأثيرها باع طويل في نشأة الأحزاب المسيحية الطائفية بقصد محاربة الفكرة القومية. ورأت هذه الجمعية أنّ الحرب ستكون شديدة وأنها تحتاج إلى وسائل وأجهزة جديدة فكانت هذه المحاولة العظيمة المجهود، التي أخرجت إلى الوجود جريدة البشير جريدة يومية تبحث في جميع مسائل الأمة السورية وتعالجها من وجهة نظر الجزويت، فتحارب العقيدة القومية وأفكار الأمة الأصلية وتبث بدلاً منها أفكار الجزويت الدخيلة.
وقد بدا لغير العارفين أنّ جريدة البشير في مظهرها الجديد مظهر نهضة جديدة للجزويت وخطوة تقدم جديد في سياستهم المشار إليها. والحقيقة أنّ جريدة البشير تمثل المجهود الأخير للجزويت في هذا الوطن والمصباح يتألق متى قارب الانطفاء.
لا تموت المؤسسات بين ليلة وضحاها كما يموت الأفراد. فنزع المؤسسات يطول، ولكنه مهما طال فإنه واجد نهايته.
إننا لا نخاطب الحكومة ولا السلطة الانتدابية، كما تفعل البشير لأجل وضع حد لتدخل الجزويت في شؤون الشعب. فنحن نعلم أنّ مسألة تحرير الشعب من الجزويت مسألة تهم الشعب. ومن أجل ذلك نحن نعرض الحقائق على الرأي العام وهو الذي يعطي حكمه.
لا تترك جريدة البشير سانحة ولا بارحة إلا حاولت استغلالها لمنع حرية الرأي في لبنان. حتى لتدّعي هذه الجريدة أنّ الجزويت هم لبنان، فتقدم إلى الحكومة اللبنانية طالبة منع حرية الفكر والاعتقاد في لبنان لأن الجزويت هم لبنان وهم يريدون ذلك، ولكن الرأي العام في لبنان قد استيقظ على أبواق النهضة القومية وأخذ يدرك جيداً أنه لا حق لجريدة البشير الرجعية الدينية الأجنبية ولا لجمعية الجزويت الأجنبية التكلم باسم الشعب اللبناني، فبعد النهضة القومية لا يتكلم باسم الشعب اللبناني غير الشعب اللبناني، والسوريون القوميون في لبنان هم من صميم الشعب اللبناني وأعمالهم صادرة عن حقوقهم في وطنهم ودولتهم، لا عن ادعاء وتدجيل.
وستنجلي المعركة قريباً عن الصحيح في لبنان والفاسد فيعرف العالم، هل لبنان هو الشعب اللبناني أم هو جمعية الجزويت الأجنبية؟ وعلى جلاء هذه الحقيقة يتوقف شرف اللبنانيين وكرامتهم.

 

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.