رأي النهضة - لو لم يكن أتاتورك

النهضة، بيروت،
العدد 116،
15/3/1938


يرى القارىء في "نهضة" أمس نص الحديث الذي دار بين رئيس الوزارة الشامية [جميل مردم بك] وبين مراسل الجريدة التركية جمهوريت والحديث خطير جداً، لأنه يرينا سياسة الرجال الحاكمين اليوم واتجاهاتهم.
في هذا الحديث ينقض رئيس الوزارة الشامية مبدأ الجامعة العربية، لا من أجل مبدأ القومية السورية وحق سورية في الحياة والعناية بمصالحها، بل من أجل أنّ "أتاتورك" موجد الحلف الشرقي لمصلحة تركية "ليس للترك فحسب، بل هو أبو الشرق أيضاً".
رئيس الوزارة الشامية، التي يبتلع أتاتورك على عهدها لواء الإسكندرونة يقر المطامع التركية في سورية ويقول: "ليس أتاتورك فحسب، بل هو أبو الشرق أيضاً". ولما كان رئيس الوزارة الشامية لا يمون من الشرق إلا على سياسة حكومته الشامية فهذا يعني أنّ الحكومة الشامية تعتبر أتاتورك أباً لها.
أهذا هو التمثيل الكتلوي لمصالح الأمة السورية المتضاربة مع المطامع التركية في سورية، ومع استعدادات الأتراك على الحدود لخرق الحدود عند أول نهزة وإعادة الكرّة على الأمة السورية لإخضاعها للسيادة التركية؟
أبهذه النتيجة الزرية ينتهي "جهاد" الكتلويين "الوطني" الذي أقلقوا راحة الأرض والسماء تبجحاً به؟
الحقيقة أنه لو أنّ مذياعاً من أكبر مذاييع الترك شاء أن يقوم لتركية بدعاوة قوية في سورية لما تمكن من ابتداع مثل العبارات التي ابتدعها رئيس الوزارة الشامية لمصلحة تركية.
وبعد فمن يدري؟ فلعل الحكمة في تصريح رئيس الوزارة الشامية أنه "عروبي" وأنّ سورية ومصيرها ومصالحها لا تهمه، لأنه ما هي سورية ومصالحها بالنسبة إلى العروبة؟
لا يمكننا أن نعدَّ تصريح رئيس الوزارة الشامية إلا نوعاً من أنواع الزلفى الممقوتة التي تنزل من كرامة الأمة السورية ومن هيبة حكومتها. ومهما كانت مبررات رئيس الوزارة الشامية وقيمة الشؤون التي يحاول تسويتها مع تركية فهي لا توازي هذا التحقير للشخصية السورية وهذا التزلف لرئيس دولة أجنبية.
أما اعتقاد دولته أنه لولا أتاتورك لكان الشرق صار هباءً منثوراً في الفضاء فمن أغرب آيات السخافة السياسية.
والظاهر أنّ دولة الرئيس يعتقد أنّ بقاء كيليكية ضمن حدود سورية المشمولة بالانتداب الفرنسي [...] وإمكان استثمار هذه النكبات التي نزلت بـ "الشرق" وقام أتاتورك فدفعها عنه.
والظاهر أيضاً أنّ رئيس الوزارة الشامية قد كبر "الشرق" وعظمه بالعمل على ابتلاع لواء الإسكندرونة. ولولا هذا الطغيان على حدود سورية الشمالية ماذا كان حل بـ "الشرق"؟
مما لا شكك فيه أنّ رئيس الوزارة لم يراعِ موقف الأمة وكرامتها ومصلحتها حين قام بهذه الدعاوة التركية القوية. وإذا كان هو لم يقصد النتائج الخطيرة المترتبة على هذا التصريح المشؤوم، فأين مسؤوليته تجاه الأمة التي يقوم على تمثيلها وتوجيه ساستها؟
إننا نأسف جداً لصدور مثل هذا التصريح من رئيس الوزارة الشامية ونقول إنه غير متفق مع موقف الأمة السورية وروحيتها واتجاهها. فسورية تنهض معتمدة على نفسها وليست بحاجة إلى أب تركي أو غيره.
إذا كانت السياسة الكتلوية تقول بضرورة وجود "أب حنون" للشام فهي تقلد سياسة القول بضرورة وجود "أم حنون". ولما كانت السياسة الكتلوية تظهر الآن بهذا المظهر الجلي فنحن نفهم الآن لماذا تضمر العداوة للسياسة القومية.

 

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.