حديث الزعيم إلى الصحف السورية في الأرجنتين


حديث الزعيم إلى الصحف السورية في الأرجنتين (1)
سورية الجديدة، سان باولو، العدد 17، 1/7/1939 ـ العدد 18، 8/7/1939


(وجّه مكتب زعيم الحزب السوري القومي دعوة إلى الصحافيين السوريين هذا نصها:
حضرة مدير وناموس تحرير جريددة... المحترم
تحية واعتباراً. بعد أن استوفى حضرة زعيم الحزب السوري القومي قسطاً من الراحة التي كان مفتقراً إليها، وبناءً على رغبة حضرته في تحقيق أمل المواطنين الذين يحبّون الوقوف على حقائق في صدد القضية السورية القومية التي وقف نفسه على خدمتها، وعلى رأيه في الموقف السياسي وسد حاجة صحف الجالية وأوساطها إلى الاطلاع من هذه الناحية، وجرياً على إظهار حضرة الزعيم [رغبته] وارتياحه للتحدث إلى الصحفيين المواطنين، أتشرف بدعوة حضرتكم إلى سماع حديث حضرة الزعيم الذي عزم على الإدلاء به يوم 15 يونيو/ حزيران الجاري الساعة الرابعة بعد الظهر في "اوتل كستلار" (مدة الحديث 15 دقيقة تبتدىء الساعة الرابعة والربع) وإلى تناول الشاي بعد الحديث للتعارف واقبلوا فائق احترامي.
الناموس الأول للزعيم
أسد الأشقر
وفي الوقت المعيّن حضر زعيم الحزب السوري القومي إلى المكان المعين، يصحبه ناموساه وأدلى بحديثه للصحفيين الذين حضروا الاجتماع وبعد نحو عشرين دقيقة من الكلام الذي تناول فيه الزعيم النقاط الرئيسية التي تشغل الرأي العام السوري للمسألتين اللبنانية والعروبية انتقل الجميع إلى صالة الشاي، حيث تناولوا الشاي والمرطبات والحلوى وتبادلوا الحديث حول القضية السورية القومية والحالة في الوطن.
ونحو الساعة السادسة، انفض الاجتماع الذي كان له أثر حسن في نفوس الصحفيين، الذين وقفوا على حقيقة اتجاه الحزب السوري القومي من زعيمه ومنشئه.
وهذا نص الحديث حسبما نشرته جريدة السلام الغراء:)
ابتدأ زعيم الحزب السوري القومي حديثه بالإشارة إلى أهمية التعاون الذي يمكن أن يصدر من الصحافيين لتنوير الأفكار وخدمة قضية الشعب السوري، الذي هو في عرفه، شعب واحد يشمل اللبنانيين والشاميين والدروز والعلويين والفلسطينيين والشرق أردنيين. وقال إنه بناءً على ما يعلقه على الصحافيين السوريين من الأهمية في صدد إيضاح القضية السورية القومية التي قد يكون من ورائها تقرير مصير أمة بأسرها، ونظراً لتقديره أنّ الصحافيين السوريين، في هذه المدينة، يقدّرون أهمية الحركة السورية القومية في حياة الأمة السورية التي يجب إلا يساء فهمها باعتبارها مسألة حزبية، بمعنى الحزبية الذي كان شائعاً في الوطن قبل ظهور الحركة الجديدة، رأى أن يتصل برجال الصحافة هنا وأن يدلي إليهم بحديث يتناول فيه أهم المسائل التي تشغل الفكر فيما يختص بالحزب السوري القومي والمسائل التي يعالجها، وفيما يختص بالموقف السياسي العام من وجهة نظر الأمة السورية.
وبعد هذه المقدمة الوجيزة انتقل المحدّث إلى الموضوع قال:
"أفترض أنّ الصحافيين الموجودين قد اطلعوا على مبادىء الحزب السوري وشروحها، فالذي يحضرني هو أنّ مبادىء الحزب أرسلت، من قبل بعض مؤسسات الحزب السوري القومي إلى الصحافيين في المهجر، وجرى نشر هذه المبادىء في صحف الوطن التي لا بد أن يكون لها اتصال بالأوساط الصحافية في المهجر. ومن هذه الجهة رأى أنّ مهمتي في هذا الحديث ستكون أسهل بناءً على هذا الافتراض.
وقد قدّر المحدث أنّ الأمور التي يهم الرأي العام الاطلاع عليها هي ما يلي:
1 ـ موقف الحزب من المسألة اللبنانية.
2 ـ موقف الحزب من المسألة العروبية أو العربية.
3 ـ الغرض من رحلته إلى المهاجر السورية.
4 ـ الموقف السياسي فيما يختص بمصير الوطن.
ثم ابتدأ الزعيم بالنقطة الأولى من هذه النقاط فقال:
"إنّ رأي الحزب السوري القومي في المسألة اللبنانية هو أنّ هذه المسألة أُوجدت كحل لقضية جماعة دينية في سورية، هي الجماعة المسيحية التي مرت، فيما مضى، بظروف جعلت من الواجب عليها النظر في حقوقها ومصالحها، ومحاولة إيجاد مخرج من الحالة التي نتجت من تلك الظروف التي كانت فيها. ومع أنّ الحزب السوري القومي يجد أنّ مسألة حقوق الجماعات الدينية في الوطن هي [من] الأمور الجوهرية التي يجب معالجتها وإيجاد حل نهائي لها، فهو لا يرى أنّ المسالة اللبنانية قد أوجدت الحل لقضية حقوق الجماعة المسيحية ومصالحها، لأن هذه الحقوق والمصالح تتعلق بمقدار كبير بالدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية للأمة السورية كلها، وبكل التفاعل الحيوي الجاري في سورية والذي لا مفرَّ لهذه الجماعة من الخضوع لعوامله.
"إنّ الحزب السوري القومي يرى أنّ المسألة اللبنانية قد أتت بعكس النتيجة التي توخّى حصولها، أي أنها قد زادت شقة البعد والتفسخ في حياة الشعب الواحد الذي مصيره من الوجهة السياسية والاقتصادية واحد في كل حال، وذلك بالاتجاه إلى حياة الانعزال وتأسيس فكرة وطنية ضيقة على أساس ديني. أما الحزب السوري القومي فيرى الحل لقضية حقوق الجماعة المسيحية ومصالحها ولقضية حقوق جميع الجماعات الدينية الأخرى في سورية ومصالحها في إيجاد الأساس الحقوقي القومي العام الذي لا يفرّق بين منتسب إلى جماعة دينية ومنتسب إلى جماعة أخرى، ضمن نطاق الأمة السورية. فإيجاد الحقوق القومية الواحدة لجميع السوريين من أي دين كانوا هو ما يراه الحزب السوري القومي الحل الوحيد للمشاكل الداخلية الناتجة عن اختلاف المذاهب الدينية في سورية. أما تجزئة البلاد والشعب إلى دول دينية، فيرى الحزب السوري القومي أنه اسوأ حل يمكن تصوره. إنه الحل الذي يقضي بالانحلال والفناء".
ويقول المحدّث إنّ الشعب في لبنان غير مجمع على التمسك بكيان لبنان، باعتباره حلاً نهائياً أخيراً، وحجته هي وجود الألوف من اللبنانيين في الحزب السوري القومي الذي هو أكبر حزب في لبنان، ولجوء الحكومة اللبنانية إلى محاربة عقيدته وحركته الفكرية السلمية بالقوة والعنف. وهو يقول إنه لو كان الشعب في لبنان لا يقبل فكرة القومية السورية التي جاء بها الحزب السوري القومي لما كان هنالك موجب لاستعمال القوة من قبل الحكومة اللبنانية، لأن الشعب نفسه كان يقاوم الفكرة بفكرة من عنده ويعزلها عن مجتمعه. ولكن الواقع قد برهن العكس، فإن الشعب في لبنان قبل فكرة القومية السورية ووجد في مبادىء الحزب السوري القومي، الحل الأخير الذي يريده وكان يتوق إلى الوصول إليه. والحوادث السياسية التي حدثت في لبنان تثبت صحة هذا المذهب وأنّ بعض التصريحات التي جرت في المجلس النيابي اللبناني، من قبل بعض النواب، هي شاهد على سرعة القبول للفكرة السورية القومية، التي أصبحت حقيقة في جميع أنحاء لبنان وفي جميع جماعاته الدينية ومذاهبه المتنوعة.
وتطرّق المحدّث إلى ذكر الحرب بين الحزب السوري القومي والحكومة اللبنانية، فقال في هذا الصدد، إنه لا يعدّ الحكومة اللبنانية معبّرة عن إرادة الشعب اللبناني في اضطهادها للسوريين القوميين في لبنان الذين يؤلفون القوى الحيَّة في الشعب في لبنان، وزعيم الحزب السوري القومي يزعم أنّ الحكومة اللبنانية لا تمثل الشعب في لبنان ولا مصالح الشعب في لبنان، بل هو يقول إنها آلة تمثل طريقة التنفيذ مداورة للمفوضية الفرنسية. فهي حكومة يجب اعتبارها ممثلة الإرادة الأجنبية في الحقيقة، وفي الظاهر تمثل الشعب في لبنان. ويقول الزعيم إنه لا يمكن مطلقاً ترجمة محاربتها للحزب السوري القومي كأنها تعبير عما يريده الشعب لهذه الحركة القومية. ويطلب من الذين ينظرون إلى علاقة الشعب في لبنان بالحركة السورية القومية أن يميّزوا دائماً بين الشعب والحكومة في لبنان.
ثم قال بالحرف: "إني لا أنكر على غيري من اللبنانيين إبداء رأيه فيما يختص بمصير الشعب في لبنان ولكنني أنكر على كل لبناني آخر ادعاءه التكلم باسم لبنان واللبنانيين أكثر مني. وإنّ الحزب السوري القومي لا يعترف لأية فئة في لبنان بحق تمثيل الشعب أكثر من الحزب السوري القومي نفسه أو بمقدار تمثيل هذا الحزب لإرادة الشعب. فالسوريون القوميون في لبنان هم أكبر جماعة فكرية في هذا القسم من الوطن السوري. هم الفئة التي لها أكبر حق في تمثيل إرادة الشعب. وكما قلت سابقاً إنه لا أنا ولا الحزب السوري القومي يعترف بما يريد أن يدّعي بعض الأدعياء في الحكم بأن إرادتهم هم هي إرادة الشعب في لبنان، فلبنان ليس ملكاً خاصاً لبعض سكانه بل هو حق عام لجميع أبنائه الذين يجب أن يكونوا أحراراً للتفكير في مصيرهم في الاعتقاد الذي يجدونه أفضل لحياتهم. وما إنكار جماعة من اللبنانيين على السوريين القوميين في لبنان حق التفكير في مصير الأمة السورية، ومن ضمنها اللبنانيون، إلا ادعاء باطل وغطرسة بعيدة عن الحق ومحاولة استبدادية لم يسمع بمثلها. فنحن لا ننكر على أحد حق مناقشتنا في عقيدتنا وكذلك نريد إلا ينكر غيرنا علينا حق مناقشته في رأيه وتفكيره الذي يتعلق بحياتنا نحن ومصير حياتنا لأننا من هذا الشعب".
ثم أشار المحدّث إلى وجوب الحذر من إساءة استعمال التعابير التي تحمل على الظن أنّ مسألة القومية السورية هي مسألة صراع بين اللبنانيين وغير اللبنانيين، وقال إنها مسألة صراع ضمن الشعب في لبنان كما هي مسألة صراع في بقية أجزاء الوطن السوري والأمة السورية.

 


 

حديث الزعيم
إلى الصحف السورية في الأرجنتين (2)
الحزب والمسألة العروبية


انتقل الزعيم إلى تناول المسألة العروبية فقال في هذه المسألة، إنها غير واضحة وإنها مرت في أطوار شتى كطور "حلف عربي" وطور "اتحاد عربي" وطور "إمبراطورية عربية" وغير ذلك من الأطوار. وهو لا يعترف بوجود قضية حقيقية واضحة إلا قضية التعاون الممكن لبعض أمم العالم العربي من الوجهة السياسية وبعض الوجوه الاقتصادية والثقافية، وقد أعلن الحزب السوري القومي في مبادئه أنه يعتبر أهمية هذا التعاون لمصلحة الأمم العربية. ويقول الزعيم إنّ الحزب السوري القومي هو أول حزب فكّر في تحديد قضية العلاقات بين الأمم العربية وإيضاحها ليسهل الوصول إلى تعاون صحيح مفيد لحياة الأمم العربية وارتقائها. فليس هنالك، في نظر الزعيم، قضية عربية أو عروبية على الإطلاق، ولكن المسألة في نظره هي مسألة بعض الفئات التي تحاول استغلال وجوه نظر دينية لبعض غاياتها. ووجوه النظر الدينية، هذه تجعل القضية العربية أو العروبية قضية دينية في أساسها باعتبار أنّ الدافع الأقوى إليها هو الإسلام فهي والمسألة اللبنانية صنوان، لأن أساسهما ديني يجزىء وحدة الأمة السورية بتنفير كل عنصر من العناصر الدينية التي تشكل الشعب السوري عن الآخر وتؤدي إلى التفكك والانهيار.
وقال أيضاً إنه لمّا كانت المسألة للحزب السوري القومي هي مسألة إنقاذ الأمة السورية قبل كل شيء وتأمين مصير مصالحها، فهو يرى أنّ الوحدة السورية القومية لا يمكن أن تتم بناءً على وجوه نظر دينية، بل على مبادىء الاجتماع والحقوق الاجتماعية الاقتصادية العامة للشعب السوري. فهنالك قطر جغرافي مستقل عن غيره هو سورية، وضمن هذا القطر يعيش شعب واحد حياة مستقلة بدورتها الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ الدموية ـ وعلى هذا الأساس وحده، يمكن التفكير بتوحيد صفوف الأمة السورية وإعداد مصير مجيد لها. ومن هذه الناحية يجب أن نفهم عقيدة الحزب السوري القومي وطريقته العملية.
القصد من زيارة الأرجنتين
انتقل المحدّث إلى الكلام عن القصد من زيارته إلى الأرجنتين فقال إنّ هذه الزيارة هي جزء من برنامج رحلته إلى أوروبة والمهجر السوري التي صدرت بها إذاعة رسمية من مركز الحزب السوري القومي في بيروت، وغرض هذه الرحلة كما قال الزعيم، هو تفقد فروع الحزب السوري القومي في المهاجر التي نشأت فيها فروع والنظر في احتياجاتها، وإعطاؤها التوجيهات اللازمة لفائدة الحركة السورية القومية، وزيارة الجوالي السورية عامة وتفقد أحوالها الاجتماعية والعمرانية والوقوف على مقدار تقدمها وعلاقاتها مع الشعوب التي تعيش في أوساطها، ودرس إمكانيات توثيق العلاقات الحسنة بين الجوالي والشعوب المذكورة من الوجوه الثقافية والاجتماعية، وتوجيه أنظار السوريين، في المهجر عموماً، إلى وجوب العمل لحرية أمتهم لكي يتمتعوا بحق بالحريات التي يحصلون عليها بين الأمم التي يعيشون معها، وتأسيس فروع جديدة للحزب السوري القومي في الجوالي التي تسمح قوانين البلاد النازلة فيها للجوالي الأجنبية، بالقيام بحركات فكرية وسياسية لمساعدة أوطانها الأصلية.
الموقف السياسي
والنقطة الرابعة هي الموقف السياسي فإن المحدّث أشار إلى الأخطار المداهمة التي تتعرض لها الأمة السورية في هذه الظروف. وهي أخطار الأمة السورية بأسرها أي بجميع أجزائها كفلسطين وشرق الأردن والشام ولبنان وسائر الأجزاء الصغرى. وأشار بصورة خاصة إلى الخطرين التركي واليهودي، الواحد في الشمال والآخر في الجنوب، وإلى المساومات الجارية بين اليهود والتراك والدول المنتدبة لتقرير مصير الشعب السوري تقريراً سيئاً بدون شك، بينما الشعب السوري لاهٍ بمنازعاته وعوامل تفسخه الداخلي. وهو يقول إنه إذا لم ينتبه الشعب السوري إلى شخصيته وحقيقة حقوقه ومصالحه التي توضحها مبادىء الحزب السوري القومي وبرنامجه، فإن عاقبة حالة الجمود ستكون وخيمة جداً وقد تكون قاضية على هذا الشعب، خصوصاً، في حالة الصراع العنيف المقبل. وهو يطلب من جميع الذين يحبون نجاح شعبهم أن يتجردوا عن العنعنات وعن خصوصيات التفكير والمذاهب ويقبلوا على درس الحقائق وترك الأوهام والتخيلات الباطلة والإقبال على الصحيح.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.