15/1/1942
حضرة الرفيق يوسف الغريب،
تسلمت هذه الساعة كتابك ووقفت منه على مبلغ سمو مقامك حتى إنك عمدت إلى «ترويق خاطرك» قبل أن تعمد إلى الجواب على كتاب «الرفيق العزيز» إليك. وهذه النفسية الخصوصية التي تريد أن تفرض ذاتها على النظام والإدارة والقيم الروحية والمادية لم تكن مجهولة عندي، فقد خبرتها في عدة مواقف خصوصاً موقف إعطاء سياسة الحزب السوري القومي وجهة نظرها الخصوصية تجاه الرأي العام، الأمر الذي دعا الزعيم إلى ترك كل صفة شخصية جانباً حين الكتابة إليك. ولكني صبرت عليها من أجل انتظار الإصلاح المقبل إذا كان ممكناً. والآن أرى أنّ كل التساهل الشخصي من قِبلي صار عندك كأنه حق لك عليّ شخصياً، أو على مقام الزعامة، حتى إنك أجزت لنفسك وأنت تخاطب زعيمك أن تقول إنك «لم تستغرب» لهجتي! وإنما «عوّدتك عليها»! وهذه تعابير لا يستعملها في هذا الموضوع إلا من يتململ من «تقيّده بناموس الأرض وشرائع ساكنيها». ولهجتك هذه هي الغريبة التي لا يستغربها إلا من لم يعرفك حق المعرفة في وضعك نفسك حيث ترغب في أن تكون لا حيث يمكن أن تكون. هذا بالقياس إلى «ناموس الأرض وشرائع ساكنيها» أما في علو سمائك ومشتهى «أحلامك» فهناك يضيع كل ناموس أرضي وكل قياس إنساني. فسبحانك في ملكوتك.
ما تقدم جواب لهجتك وكيفية خطابك. أما محاولتك التنصل من تكليفي إياك العودة إلى مقابلة ناموس السفارة البريطانية السيد «تشيتم» إذا تسنّى لك ذلك، ومن تكليفي إياك الاتصال بي ولو تلفونياً قبل سفرك، فمن أغرب المحاولات الصادرة عن شخص يظن فيه الإدراك العادي الجيد.
صحيح أنّ قدومك إلى بوينس آيرس لم يكن لمهمة حزبية ولذلك قلت في كتابي السابق إليك «بمناسبة إحدى زياراتك لمدينة بوينس آيرس كلّفتك، الخ».
وعجيبة هي ذاكرتك التي تذكر أشياء وتنسى أشياء، حتى إنها نسيت أنك أنت الذي استأذنت للنزول إلى الشارع وصرف السيد الذي كان ينتظرك وأنا لا أعلم بوجوده قبل استئذانك. فأجبتك «تفعل حسناً بصرفه»، أي أني رأيت ذلك ضرورياً. فأنت قد تذكرت بعض أجزاء الحديث الذي حدثتك به ونسيت أو تناسيت غرضه وجوهره. فأنا لم أحدّثك عن «تاريخ تأسيس الحزب»، ولا عن «المخاطر التي كانت تحدق بالزعيم والرفقاء»، ولا عن «سجني وأعمال حكومة الانتداب وأذنابها»، ولا عن «سفري إلى أميركة واصطحابي [أسد] الأشقر وخالد أديب وما جرى للزعيم مع كل واحد منهما»، ولا عن «الضرر الأدبي الذي أحدثه الأشقر مدة إقامته في البرازيل»، ولا عن «مجيئي إلى الأرجنتين وعن خيانة خالد أديب»، ولا عن «إيجاد عمدة مالية تأخذ على عاتقها تنظيم خزينة الحزب»، فهذه موجودة في الوطن، ولا عن «القيام بمصاريف مكتب الزعيم»، ولا عن «الخريطة الموجودة في صفوف الفروع»، ولا عن «حالة المسجونين في بيروت وكيفية جمع كمية من المال لإعاشتهم»، ولا عن شيء مما ذكرت وعددت.
إنّ ما حدثتك فيه كان في صدد ما كتبته إلى الصديق عبود سعاده بشأن التبرعات التي أرسل يخبرني بها، وإنّ قصدي كان إيضاح الفكرة الأساسية لكتابة الرفيق جبران مسوح إلى بعض الفروع والمناصرين. ورأيت أن أشرح لك ذلك بشيء من التفصيل والأمثلة، وذلك لحسن ظني بك ولتقريبك أكثر إلى فهم بعض الأمور الداخلية ليساعدك ذلك على إعطاء آراء مفيدة للمهتمين، عند اللزوم، ولتتمكن من إيضاح بعض الأمور للصديق عبود سعاده منعاً لحصول أي سوء تفاهم معه. وهنا أوضحت لك أنّ أشد حاجة الزعيم في هذه الظروف، وهو بعيد عن المركز الإداري، هي إلى أفراد جيدي الفهم يعرفون كيف يعاونون الزعيم بدلاً من عرقلة خططه وأعماله بمحاولة كل منهم التصرف بالأمور والقيم على هواه. وفي هذا الحديث ضربت لك بعض الأمثال مما جرى لأزيدك اطلاعاً. حتى إني أبديت تذمري من كثرة الرفقاء الذين، لعدم رسوخ النظام في روحيتهم وتفكيرهم، يريدون تفسير الأمور وتسييرها على هواهم ومن هذا التذمر يصيبك رشاش. وقد كان تذمري هذا أمامك شرفاً لك لو نظرت إلى حقيقة الزعيم ومركزه في الحركة القومية. ولم أكن بحاجة للتذكر أمامك لولا حسن ظني بك ومحاولتي تقريبك أكثر لتفهم الزعيم والحركة، كما كنت أود. فالزعيم بصلاحياته الدستورية هو ليدير ويعطي تعليمات ويقود ويسنّ قوانين وليحاسب المسؤولين، لأنه المبايع على كل ذلك. فإذا اختار الزعيم سلوك غير هذا الطريق أحياناً مع بعض القوميين فيكون تساهلاً وإكراماً منه. وأحياناً يكون ذلك في غير محله كما يتضح من الاختبار.
هذا ما كان حديثي إليك، ضارباً صفحاً عن صفة الزعيم الرسمية تجاه أحد الرفقاء الجدد. والفرق بينه وبين تحريفك كبير جداً. ومن غريب أمر ذاكرتك، وإقامتك إياها مقام النظام الإداري لمكتب الزعيم، أنك لم تشأ فقط نسيان أمر المهمة التي كلّفتك تنفيذها إذا استطعت، بل شئت، فوق ذلك، نسيان أنك لم تكن «طول مدة حديثي صاغياً...»، وأنك تحدثت وتطرقت إلى ذكر ما صار إليه أمر اتفاقية كنت عازماً على عقدها مع السيد توفيق سعاده للقيام بتجارة سكر، وما كان من أمر صفقة تجارة السكر التي قام بها السيد عبود سعاده بالاشتراك مع أخيه أو شخص آخر، وما كنت تتوقع من وراء ذلك وما ترتأي أنه كان يجب أن يكون وغير ذلك كالالتقاء بالحمامات المعدنية وشؤون أخرى. أما المهمة فقد كلّفتك تنفيذها وإعطائي جواباً عنها في ختام الحديث وأطلعتك على اسم قنصل بريطانية المرسل إليّ من البرازيل لتذكره للسفارة البريطانية. وقد خرجت من عندي واعداً بأنك ستحاول القيام بالمهمة. وأنا لم أطلب محاسبتك على عدم قيامك بها. بل على عدم إعطاء بيان لمكتب الزعيم عما صار إليه تكليفك لينظر فيه، كما يظهر ذلك بجلاء من نص كتابي الإداري الأخير إليك. وهذا بصرف النظر عن إمكانك القيام بالمهمة كتابة من محل إقامتك. ولكنك شئت أن تنسى كل هذه التفاصيل وأن يكون نسيانك فوق كل مسؤولية وكل نظام وكل مرجع وكل قانون وكل يمين، وأن تتوقع، فضلاً عن ذلك، لهجة غير اللهجة الإدارية المحاسبة وكفى بمشيئتك قانوناً ونظاماً.
وقد صدرت مشيئتك السنيَّة بتكليف قيّم الفندق الذي كنت نازلاً فيه «أن يبلّغني كيف كان سفرك وليعتذر باسمك»! وهذا منتهى الجهل والعبث. فهل يصلح قيّم أحد الفنادق واسطة بين الزعيم وأحد الجنود العاملين تحت قيادته؟ وهل يليق تبليغ الزعيم أموراً مطلوبة من أحد الأعضاء مباشرة بواسطة قيّم فندق غريب، خصوصاً في مثل هذه الظروف والمهمات والمواقف؟
هنا قد انقلبت جميع الوضعيات النظامية والقياسية. ومن فمك أدينك. فموقفك في هذا الحادث يجعلك تحت مسؤولية الإهمال وخرق النظام والحنث باليمين، أو في موقف من يضع نفسه فوق السلطة المقيد بها. فاعتذارك كان يجب أن يقدّم منك رأساً إلى الزعيم مع بيان عما صار إليه أمر المهمة. وكان يمكنك تقديمه كتابة من محل إقامتك. ولكن مشيئتك العلوية قضت بعدم الحاجة لذلك وباستعمال اللهجة الموافقة لهذا القضاء. وكان أني شئت التساهل معك هذه المرّة أيضاً فأبقيت المسألة كل هذه المدة لإعطائك فرصة كافية لمراجعة نفسك واحتياطاً لمصلحتك لعلك في سفر أو في مرض أو في فرح طام. ولكن هذا التأخير لا ينقص شيئاً من المسؤولية الملقاة عليك، مهما يكن من أمر مشيئتك الكلية السلطان، فهي لا محل لها في النظام القومي الذي لا يعرف غير المشيئة الدستورية. وبعد هذا وذاك فعندي أشغال أخرى وبعضها أهم قليلاً من أمر إفهامك وجوب التقيد بالنظام ومحاسبتك على شذوذك. وهذا هو سر «الأشهر العديدة». أما قولك «وهكذا رجعت إلى مقر أشغالي من غير أن يخطر ببالي أنّ الزعيم يؤوِّل رجوعي إلى مقر عملي كعمل شاذ» فهو تحريف للكلم عن مواضعه. فالزعيم لم يؤوِّل رجوعك إلى مقر عملك أي تأويل. والزعيم لم يحاسبك على كيفية سفرك ومدة إقامتك ولا على شيء من خصوصياتك. وإنما يحاسبك على إهمال مهمة كلّفك بها وعلى عدم تقديم بيان بمصير التكليف. وإذا كنت نسيت المهمة فالزعيم لا يحمل جريرة نسيانك، بل تحملها أنت. ولو لم ين الزعيم كلّفك لما كان طلب منك تقديم حساب، فقد سبق له أن كلّفك مرة في الماضي وأثنى على قيامك بالمهمة، وقدّر مسعاك الذي أفسدته فيما بعد بمقالتك التي انتحلت فيها صفة التعبير عن موقف الحزب، وهذا وحده، كاختبار شخصي لك، كان يجب أن يكون كافياً ليوطد الثقة في نفسك بأنّ الزعيم لا يظلم أحداً ولا يجرّد أحداً من قيمته أو حقه أو جزائه.
ولكن هو غرورك وجهلك الأمور الإدارية وطبيعتها. فأنت تمزج الإدارة بالخصوصيات، ولذلك كنت تتوقع أن يخاطبك الزعيم بلهجة حبية أخوية، كعادته في الشؤون الخصوصية، حتى في الشؤون الإدارية. ولذلك تسوغ لنفسك إبداء ملاحظات على «اللهجة» التي خاطبتك بها وهي لهجة الزعيم الإدارية مع أي كان من القوميين النظاميين كائناً من كان، ولا استثناء لسمو غرورك فيها. فالزعيم كان يخاطبك في غير المسائل الإدارية كأخ ناصح وبروحية صديق. وهو إكرام منه لك. ولكنه حين خاطبك إدارياً رفع كل صفة شخصية. وفي الإدارة والسياسة والقضاء لا تدخل الخصوصيات الشخصية. حتى ولو كنت من أعز أصدقاء الزعيم لما وجدت محلاً للصداقة في الوظائف والأعمال الإدارية، فكيف وصداقتك لم تتجاوز حد التعارف الأولي.
إنّ لهجة الزعيم الإدارية هي هي عينها مع جميع القوميين، وبينهم من يصلحون ليكونوا أساتذة لك في الحقوق والسياسة والفلسفة والعلوم الاجتماعية والاقتصادية. وجهلك الفرق بين المعاملة الشخصية والمعاملة القانونية هو الذي يجعلك تتغرّب ولا تستغرب «اللهجة»، وفوق كل ذلك فإذا عدت إلى الكتب السابقة وجدت أنّ الزعيم، بالنسبة إلى وظيفته الرسمية، كان متساهلاً كثيراً من الوجهة الإدارية، وكل ذلك من محبته لخيرك ومساعدتك على فهم الأمور الحزبية بصورة لينة.
إنّ لهجتك أنت الغريبة وغير الغريبة هي التي جاوزت كل معقول ومنقول في مخاطبة المرؤوسين الرؤساء. وفيها، فوق ذلك، ما يدل على سوء نية. فإنك تقول: «إني على حق فيما أقول بأنك لم تكلّفني مطلقاً بمهمة أثناء تلك الزيارة»، فأنت قد بلغ بك الغرور والخروج على النظام أن تحكم على الواقع وتخضعه لمقدار وقوة ذاكرتك. فلا تقبل حتى ولا من زعيمك أن يذكّرك بمهمة كلّفك إياها. ولولا جهلك الأصول وشدة دعواك ونظرك إلى «كرامتك» العظيمة قبل كرامة زعيمك والمنظمة القومية كلها، لما كنت استعملت هذا الحكم الفاسد ولكنت وضعت عبارتك، على الأقل، في هذه الصيغة «إني لا أتذكر أنّ الزعيم كلّفني القيام بمهمة ما، وقد تكون الذاكرة خانتني عن غير قصد، فأرجو أن يذكّرني الزعيم بما كلّفني، وإني مستعد للتعويض عن كل تقصير وتحمّل كل مسؤولية تقع عليّ ويرى الزعيم تحميلي إياها». ولكن لا شيء من ذلك ولا من هذه الروحية الشاعرة بالقيم والمنازل والصلاحيات والمسؤوليات. وبأي حق يجب أن يكون للزعيم أيضاً ذاكرة؟ فما يقوله يوسف الغريب وحده هو يكون ولا يكون غيره. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا حلف يوسف الغريّب أنّ له زعيماً يطيعه ويؤيده؟
إنّ سلسلة تصرفاتك الأخيرة من يوم نشرت مقالتك الأولى عن الحزب السوري القومي، التي ألحقت بالحزب أضراراً لا تقدر على تقديرها، هي تصرفات من يحسب نفسه مقاسماً الزعيم إدارة الحزب وتخطيط سياسته. وحين أوضح لك الزعيم، بلطف، مبلغ شرودك عن جادة الصواب كان جوابك المكابرة ومحاولة تبرير شذوذك وأغلاطك بعرض آرائك والأسباب الخصوصية التي استندت إليها، كأنّ الأسباب التي تراها أنت كافية يجب أن يراها كافية الزعيم نفسه ويقبلها. فكأنك أنت مرجع الأمور لا هو. وبعد عراك شديد سببه رغبة الزعيم في تسوية الأمور بالتي هي أحسن كتبت مقالة أخرى بإيعازي عددتها كافية لإصلاح الغلط السابق تجاه الرأي العام، مع أنها ليست كافية لمحو الأضرار السياسية ولا لمحو غلطك أو خطأك النظامي. ومع كل تساهلي وإيضاحاتي لم تشأ الاعتراف بخطأك ولم تطلب عذراً عن تصرفك خلافاً للتعليمات الصريحة التي كان طلب منك التقيد بها.
وقد حاولت أن أوضح لك، بما أمكن من اللطف، أنّ تصرفك وأجوبتك المجاوزة حدود مركزك لا تتفق مع النظام القومي المربوط به، ولا مع الروحية المطلوبة في القوميين، ولا مع اليمين التي حلفتها. وقد سألتك في أحد الكتب السابقة صراحة هل تعتقد أنّ الزعيم ليس زعيمك وقائدك؟ فكان جوابك على هذه النقطة السكوت. ومع أنّ مسألة الزعامة هي من أسس الحركة القومية ولا يمكن أن تبقى في غموض عند الأعضاء، فقد تساهلت معك في هذه النقطة في تلك الظروف. ولكن بعد جوابك الأخير على كتابي الأخير الإداري إليك لم يعد ممكناً السكوت أو التساهل في تصرفاتك وروحيتك. وموقفك الأخير يدل بجلاء على أنك لا تقيم للزعامة وزناً. ولا للنظام حرمة لا في المهمات ولا في الصلاحيات. وهذا يعني أنّ دخولك الحزب السوري القومي وإقسامك اليمين بالطاعة للنظام والأوامر وتأييد سلطة الزعيم كانا بأحد هذه المقاصد: إما خدع الزعيم، أو خدع الحزب السوري القومي، أو خدع الرأي العام، أو خدع نفسك. ولو لم تكن مخادعاً في هذا الأمر لاعتبرت وتصرفت مع زعيمك كما يليق التصرف معه، أي بالتقيد بمركزه كمرجع لأعمالك وتصرفاتك النظامية والسياسية، وترك الحكم له فيها حتى إذا رأيت أحكامه مبنية على الظلم عرضت قضيتك على الحزب كله بواسطة مؤسساته. ولكن حسبانك الزعيم مضطراً لالتزام لهجة خاصة حين مخاطبتك، وتخويلك نفسك حق تقرير ما إذا كان الزعيم كلّفك بمهمة أو لم يكلّفك من غير أن تطلب حتى ولا تذكيرك بما قد تكون نسيته وتحريفك الكلم، كل ذلك، مضافاً إلى السوابق الأخرى التي سيرد بعضها فيما يلي، لا يدل إلا على استهزائك باليمين والأنظمة والقيم الشرعية والروحية. وهو يدل، فوق ذلك، على مبلغ غرورك وجهلك، كما يدل عليهما قولك بكل وقاحة إنه بينما كنت أنا أخاطبك كنت أنت «تصغي...»، وقولك إنّ مسألة مطالبة الزعيم إياك بمسؤولياتك هي مسألة «سوء تفاهم» جرى بينك وبينه.
لم أكن أجهل غرورك ودعواك. ففي أحد الاجتماعات في منزل الصديق توفيق سعاده، الذي كنت ضيفه في أول زيارة لمدينة كوردبة، ادعيت أنّ القول بأنّ ابن المقفع هو مؤلف كليلة ودمنة لا مترجمه هو مذهب لك واكتشاف منك. فسترت دعواك بكلام لطيف وذكرت لك أني كنت قرأت بعض الأبحاث لأحد الكتّاب الذاهبين هذا المذهب. ثم لمّا قرأت مبادىء الحزب السوري القومي مشروحة بقلمي قلت للصديق السيد عبود سعاده «هذا هو تماماً ما كنت حصّلته بتفكيري أو ما افتكرته». وكان كلامك بحضوري ومع ذلك لم يندَ لك جبين ولم يحمر لك وجه. ثم لمّا ابتدأت ترجمة المبادىء المشروحة وعرضت قسماً من الترجمة عليّ وأخذت تقرأه لي في منزل الصديق عبود سعاده الذي كنت ضيفه المرّة الأخيرة، وكان حاضراً السيد عبود والرفيق سليم صوى والسيد أسعد شكر وأشخاص آخرون، بينت لك إساءة ترجمة بعض النصوص حتى إنها خرجت عن وضعها الأصلي، وصار المعنى خارجاً عن نطاق العلم والمعرفة الصحيحة. فبدلاً من أن تأخذ شروحي الحقوقية بعين الاعتبار لجأت إلى المكابرة فلم تشأ الإقرار بأنّ الترجمة غلط، ولا بأنّ المعنى الجديد في الترجمة فاسد. وقد كان هنالك أكثر من غلطة واحدة ونحن بعد في شرح المبدأ الأول، ولكن أهمها ما أفسد المعنى العلمي الحقوقي. فالمعنى الأصلي، وهو في شرح المبدأ الأول، يقول إنه لا يجوز لأفراد سوريين التصرف بشبر من أرض الوطن بما يمكن أن يلغي فكرة الوطن الواحد أو سلامته. ويعني ذلك ضمناً كل هيئة فردية أو خصوصية. فترجمت أنت هذا المعنى بما لا يجيز حتى ولا لمجموع الأمة التصرف بشبر من الأرض. وبجهد كبير تمكنت من إقناعك بوجوب التقيد بالنص، لأنّ المعنى المترجم فاسد حقوقياً. فقبلت بالتغيير ولكنك ظللت تقول إنك تعتقد أنّ المعنى الذي وضعته أنت أقوى.
كل هذه التصرفات السابقة لم تفتني في شيء منها، ولم يفتني فوق ذلك تحاشيك وتجنبك مخاطبتي كزعيمك، إذ كنت دائماً تضع لفظة «الرفيق» حين التوجه إليّ. ولكني عددت ذلك من ضعف السلوكية غير المضبوطة السابقة للنظام القومي، وتمنيت أن يكون استعدادك الروحي بحيث يمكّنك من التغلب عليه والسلوك حسب المناقب الجديدة والمقاييس الجديدة على نسبة تعرّفك إليها واقتباسك من أصولها وأوضاعها. والظاهر أنّ إغضائي عن هفواتك وتقريبك إليّ بدون كلفة جعلك تتمادى في غرروك، وجهلك مركزك من الزعيم ووجوب احترامه كمعلم وكقائد وكسلطة دستورية، حتى صرت ترى ممارسة الزعيم صلاحيات وظيفته الإدارية معك «لهجة عوّدك إياها»، وهو تعبير يصل إلى درجة الوقاحة والتطاول على السلطة التشريعية والتنفيذية للمنظمة القومية. ولو لم تكن خاضعاً للنظام القومي ومقسماً اليمين النظامية، ولو لم أكن أنا على رأس المنظمة القومية لما كان يهمني رأيك فيّ وسلوكك تجاهي، لأنه إذا وجدت فيك ما لا يعجبني فيكفي أن أقطع علاقاتي معك بدون حساب. والأرجح أن لا أكون عرفت بوجودك أو اتصلت بك. فاتصالي بك لم يكن بعلاقة شخصية، بل بواسطة الدعوة القومية الموجهة إلى كل سوري وسورية بلا فارق. ولكن وجودك ضمن النظام القومي ووجودي على رأس هذا النظام يتطلب مني محاسبتك من أجل النظام الذي يعيّن قيماً لا يجوز للفرد العبث بها.
إنّ أنطون سعاده لا يهمه إذا كنت تضعه في منزلة مساوية لك في العلم والفهم والمقدرة، ولا إذا كنت تجعله دونك في كل ذلك، ولا يهمه إذا كنت تسكن السماء أو الأرض، فهو لا يقيس نفسه بك ولا يرى مناسبة لقياس نفسك به. ولكن المنظمة القومية تريد أن تعرف إذا كان أحد القوميين يعرف أنّ الزعيم هو مؤسس النهضة السورية القومية، ومعلم القوميين الفلسفة والنظام القوميين، وقائدهم الأعلى الذي يجب عليهم الاحترام له والرجوع إلى حكمه وتدبيره في كل ما يتعلق بالحركة السورية القومية من فكر وعمل في إدارة ونظام وقانون وسياسة ونظرات اجتماعية ـــ اقتصادية ـــ روحية، لأنّ هذا هو معنى الزعامة في الحركة السورية القومية. وهذا هو السبب الوحيد لاهتمامي بما تفكر وكيف تتصرف تجاه الزعيم وتجاه النظام القومي. فكل فرد في الحزب السوري القومي يجب أن يعلم أنّ تفكيره وتصرّفه في الأمور المذكورة آنفاً خاضعان للعلاقة الحزبية المنظمة، فهو ليس منفلتاً ليفكر كما يشاء، ويتصرف كما يشاء، ويقول ما يشاء، ويعترف بما يشاء، وينكر ما يشاء، في ما له مساس بالحركة السورية القومية، بل هو مقيد بما يفرضه القانون والنظام والواجب المناقبي والإداري ليكون جميع القوميين روحية واحدة وإرادة واحدة. وهذا لا يعني تجريد المرء من آرائه الخصوصية. ولكن يعني تجريده من حق أو صلاحية اعتماد آرائه الخصوصية، التي لا تعرض على المراجع ذات الصلاحية ولا تنال موافقة هذه المراجع، للقيام بأعمال أو تصرفات لها مساس بوجود المنظمة القومية أو بسياستها أو بإدارتها أو بتعاليمها أو بإذاعتها أو بدستورها أو بنظامها الروحي والمادي. فما دام المرء مبقياً آراءه الخصوصية لنفسه غير متعمد فرضها على المنظمة بطرق غير قانونية، فالمنظمة القومية لا تتعرض له ولا تحاسبه على أفكاره. ولكن متى أبرز تلك الآراء بشكل عملي في ما له مساس بأي أمر من أمور المنظمة المتقدم ذكرها، فحينئذٍ لا مناص له من الوقوع تحت طائلة القانون. والعبث بمركز الزعيم، الذي هو محرر الحركة السورية القومية، وتجاوز تعليماته ورفض الرجوع إليه في الأمور النظامية والإدارية والتوجيهية، ومخاطبته بما لا يتفق مع حرمة مقامه، ومحاولة فرض الآراء الخصوصية على سياسة المنظمة القومية بطرق غير قانونية، وجميع الأعمال التي يمكن أن تشوّه الحقائق والقيم وتخرق الدستور وتبلبل الصفوف وتخرج على الوحدة النظامية والسياسية والروحية، هي أمور تحاسب عليها المنظمة القومية حساباً دقيقاً ومراجعها القانونية تحتفظ لنفسها بحق اختيار الفرصة التي تراها مناسبة لفتح الحساب فلا يؤثر في صلاحياتها شيء من تقدم الأيام أو تأخرها.
والظاهر أنك ترى نفسك فوق جميع هذه الاعتبارات حتى إنك تتوقع أن يخاطبك الزعيم بلهجة الرصيف للرصيف والرفيق للرفيق، حتى في الأمور النظامية، لا بلهجة الزعيم لأحد الأعضاء، مع أنك تعلم أنّ الحزب السوري القومي يلغي كل فكرة للامتيازات المدنية، ويجعل جميع القوميين متساوين في الحقوق المدنية أمام القانون، عالمهم وجاهلهم، غنيّهم وفقيرهم، فيلسوفهم وسفسطائيهم. فالزعيم قد خاطبك بلهجة الرفيق والأخ الناصح في الأمور الخصوصية، وكان ذلك إكراماً منه لك كما تقدم القول. ولكن هذا الإكرام ليس فرضاً عليه نحوك، خصوصاً حين يمارس سلطته الدستورية. ففي هذا الظرف لا يكون هنالك صداقة ولا أخوّة ولا صحبة، بل تكون هناك الصلاحيات والمسؤوليات والنظام والقانون وحدها. ولهجة السلطة هي دائماً غير لهجة الصحبة، فإذا كنت تكره السلطة ولا تخضع لها فلماذا خدعت المنظمة وخدعت نفسك بحلفك اليمين النظامية؟
إنك قد حاولت، باعتبار سلوكك، خدع المنظمة القومية، ولكنها لم تنخدع ولا يمكن أن تنخدع، فدستورها واضح صريح وقوانينها دقيقة وروحيتها متينة ونظامها قوي، وحاولت أن تخدع نفسك فنجحت نجاحاً باهراً. فأنت قد انضممت إلى الحركة السورية القومية ذات الفكرة الواحدة والإرادة الواحدة والنظام الواحد، ولكنك جعلت هدفك الاهتمام بمصالحك الخصوصية قبل كل شيء، وخدمة هذه المنافع قبل خدمة الحركة القومية، ومعاكسة هذه الحركة كلما رأيت فائدة خصوصية لك من وراء ذلك، فأنت قومي في السرّ وعدو القومية في الجهر. أنت عضو في الحزب السوري القومي سراً، ولكنك تتجنب الظهور بمظهر القومي إلا حين تكون لك مصلحة، وتتجنب حتى الظهور في الصور على مائدة القوميين ولو لم يكن في ذلك دليل على أنك قومي نظامي، ولكنك لا تتجنب الظهور على مائدة المأجورين للدعاوات والإرادات الأجنبية، وإظهار شخصك العظيم في صورها وضم صوتك إلى مؤيديها دون أن يبكتك ضميرك ومن غير أن تجد موجباً للاستشارة والاستئذان ولا للاعتذار، مع أنك تعلم أنّ ذلك مخالف لعهودك وللنظام الذي تتقيد به، خصوصاً بعد تحدثي إليك في كوردبة عما قمت به في توكومان، وعن كيفية طرد صلاح لبكي من الحزب، ولم يكن لي قصد من ذلك غير تهيئة نفسك لفهم دقة النظام القومي فلا تتورط في ما تورط فيه الذين باؤوا بالخيبة والخزي. ولو أنك تجنبت على الأقل الظهور بمظهر المؤيد للمؤسسات والأشخاص المأجورة للإرادات الأجنبية، والمحتفى بها لكان في الإمكان ترقيع أمرك. وقد بلغ بك سهرك على منافعك الخصوصية قبل كل شيء حد التقدم إلى الزعيم بسؤال سعيه الشخصي لإيجاد تمثيل لك أو وكالة لبعض الشركات التجارية، وكان ذلك في أول عهد انضمامك إلى المنظمة القومية. ولم يهمل الزعيم هذا الأمر ولكنه لم يوفق.
ولو أنك، بصرف النظر عن جميع خطيئاتك، تواضعت لزدتك إكراماً وتقريباً. ولكنك تتكبر وتعتو وتتطاول. ولو لم يكن للمنظمة دستور وقوانين ونظام لصعب تباين مكابرتك وتطاولك. ولكن من حسن الحظ أن كل ذلك موجود لها.
بناءً عليه أبلغك ما يأتي:
إنّ زعيم الحزب السوري القومي، بناءً على صلاحياته الدستورية، قد قرر عدم النظر في رأيك الانسحاب من الحزب السوري القومي، لأنك تحت مسؤولية قانونية، ولأنك لم تقدّم طلباً رسمياً بالانسحاب معللاً بأسباب تغيير العقيدة أو الأهداف أو المبادىء العقائدية أو النظامية في الحزب، وهي الأسباب الوحيدة التي يمكن أن يطلب بالاستناد إليها انسحاب أحد الأعضاء. وكل محاولة انسحاب لغير هذه الأسباب الجوهرية تخضع لنظر الإدارة القومية وحكمها وإنّ زعيم الحزب السوري القومي قد قرر، بناءً على الصلاحيات المذكورة وبناءً على الإثباتات الوثيقة التي تحت نظره، طردك من الحزب السوري القومي للأسباب المبينة أدناه:
1 ـ لمخالفتك تعليمات الزعيم الصريحة إليك بعدم نشر أي شيء يتعلق بالحزب السوري القومي وسياسته في الصحف بدون إطلاعه عليه قبل نشره والحصول على موافقته. فنشرت في كوردبة في جريدة لا بوص دل أنتريور مقالة انتحلت فيها صفة التعبير عن سياسة الحزب السوري القومي وموقفه من الأحداث الإنترناسيونية بما لا يتفق مع سياسة الحزب المقررة التي لا يحق التعبير عنها إلا للمراجع المختصة ولمن تأذن له هذه المراجع. والمقالة نشرت في عدد الجريدة المذكورة الصادرة في 30 يونيو/حزيران 1941.
2 ـ لمحاولتك فرض آرائك الخصوصية وأغراضك الخصوصية على سياسة الحزب السوري القومي بصورة غير قانونية بنشرك في المقالة المذكورة أموراً القصد منها تأييد دولة أجنبية معيّنة لم تصدر من مراجع الحزب الرسمية تعليمات بتأييدها.
3 ـ لمخالفتك للنظام بإصرارك على اعتبار ما قمت به، ضد التعليمات الصريحة، عملاً جائزاً مبرراً ومن حقك، كما هو مثبت في أجوبتك بهذا الصدد.
4 ـ لعدم التقيد بوجب الاحترام والطاعة للزعيم في ما هو من صلاحياته ومن الأمور المتعلقة بالمنظمة السورية القومية والقضية القومية، كما هو مثبت في كتابك الأخير بتاريخ 10 ـ 1 ـ 1942.
5 ـ لعدم تنفيذ مهمة كلّفك القيام بها الزعيم في زيارتك الأخيرة لمكتبه في بوينس آيرس وإنكارك وجود التكليف، ورفضك الرجوع إلى الزعيم في هذا الأمر لتبيان حقيقته. ولعدم تقديمك بياناً بمصير المهمة، في الوقت اللازم.
6 ـ لمخاطبتك الزعيم بلهجة المتمرد على سلطته الدستورية التي يحلف العضو، وحلفت أنت بتأييدها والطاعة لها، كما هو مثبت في أجوبتك بشأن المقالة المذكورة في كتابك الأخير.
7 ـ لخرق النظام القومي بالاشتراك في مظاهر سياسية لمؤسسات وأشخاص تعمل لمصلحة إحدى الدول الأجنبية، من غير استئذان المراجع الضابطة لتصرفات الأعضاء السياسية.
8 ـ للعمل ضد المبادىء القومية والمنظمة القومية بالانخراط في المظاهر السياسية المذكورة، وهو خيانة للقضية السورية القومية التي يمثّلها الحزب السوري القومي وللعهد القومي الذي يجب على العضو التقيد به، بصفتك أحد أعضاء هذا الحزب الآخذين بعهده.
فبناءً على هذه الأسباب، وهذا القرار، أصبحت الآن خارج الصفوف القومية فيمكنك أن تجعل نفسك فوق الدساتير أو تحتها كما تشاء، وفي منزلة أنطون سعاده أو فوق منزلته، وأن تستغرب أية لهجة يخاطبك بها أي من الناس وأن لا تستغربها، وأن تشترك في كل مأدبة وكل مظهر سياسي لكل غاية ترتأيها أنت، وأن تنشر ما يحلو لك من المقالات عن آرائك السياسية العظيمة المختصة بك، وأن تدخل في كل أمر يمكنك الدخول فيه وتخرج من كل أمر يمكنك الخروج منه غير تقديم حساب للمنظمة السورية القومية، وأن تسمع قطعة شومان التي اسمها «حلم» أو «أحلام» وليس «ريفيري» وإن شئت الرجوع إلى الأصل فاسمها «طروميراي» وترجمتها الفرنسية «ريفيري» أو «ريفري» كما تشاء كتابتها، والتي لم أرَ مناسبة لتعريفي كم هي «شهية على قلبك» في معرض حساب إداري.
بقي أمر الثلاثمئة وخمسين ريالاً التي تقول إنك اشتركت مع الصديق عبود سعاده وولده خليل بالتبرع بها لمكتب الزعيم. فأنت قد تبرعت بخمسين ريالاً منها فقط. فهذه أعيدها إليك مع هذا الكتاب، لأنّ زعيم الحزب السوري القومي ومؤسس النهضة السورية القومية لا يبيع القيم والكرامات والشرائع والأنظمة بأي مال في العالم. وأذكر أنك كنت تبرعت من قبل بمبلغ ثلاثين ريالاً دفعتها لي وأنا في كوردبة في زيارة سابقة وهذه أيضاً أعيدها إليك. ومجموع هذين التبرعين، أي ثمانون ريالاً أرجنتينياً، يصل إليك مع هذا الكتاب في حوالة مالية. وإذا كان قد بقي تبرع منك لشيء مختص بالزعيم فأرجو أن تذكّرني به فأعيده إليك. وكل من يريد التبرع بمال لمكتب الزعيم بروحيتك البعيدة عن مستوى المناقب القومية فلا يقبل منه. إنك قد مزجت كرامتك بأنانيتك مزجاً أصبح عسيراً عليك معه التمييز بين الواحدة والأخرى. وقد كان كلّ همك منصرفاً إلى تعزيز كرامتك الأنانية قبل كل شيء فوضعتها فوق كل قيمة. ولو أنك بذلتها في سبيل الكرامة القومية العامة الممثلة في شخص الزعيم وفي النظام القومي لكنت عززتها أفضل تعزيز. فإنّ من يقول: «كرامة الزعيم والمنظمة القومية قبل كرامتي وحقوقها قبل حقوق أنانيتي وكرامتي لا وجود لها بدون كرامة زعيمي» هذا يقول له الزعيم: «كرامتك كرامتي وحقوقك جزء من حقوق المنظمة القومية». ولكن المعجب كثيراً بنفسه، المغترّ بكرامته، الذي يتخيل ذاته فوق الأرض وساكنيها وشرائعهم، ثم يحاول خدع هؤلاء «المساكين» بالتظاهر بأنه منهم وقابل لشرائعهم، فهو يجرّد نفسه من كل كرامة إنسانية ويعرّي أنانيته من كل ستر يقي العيون الإنسانية بشاعتها. وإذا كان لهذا الشخص أقلّ أمل بالشفاء من إعجابه بنفسه فهو لا يكون بمحاولة «تعلّم قراءة الغيب وأسرار الضمائر»، فهذه ليست علماً، بل موهبة، والأرجح أنّ هذا الأمل يكون بتعلم إنكار مقدار كافٍ من الأنانية الجامحة لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولمعرفة مبلغ حاجة ذلك الشخص إلى تعلّم أشياء كثيرة مفيدة وتقدير معلميه كما يجب، ويعلم ما يلزم من أصول المعاملات في شؤون ساكني الأرض الذين، لعدم إمكانهم الارتفاع أو الهبوط عن الأرض بالكلية، يجدون أنّ النظام أفضل من الفوضى، وأنّ الشرائع أضمن للحقوق والقيم والمصالح العامة من تخرصات المرتفعين إلى أسفل.
وإذا خطر لك يوماً من الأيام ترك عليائك السفلية والانحطاط إلى علياء الناس، والتجسد بينهم، لتصير ابن إنسان والابتعاد عن بعض التصورات التي يلوح من خلال سطور كتابك الأخير أنها تعبث بشهواتك حين تسمع «أحلام» شومان التي تخيلها في ترعرع حدث لتقترب من حقائق الحياة الإنسانية فعسى أن لا تخسر مثل الفرص التي مرت بك لجعل وجودك الزمني أفْيد للحياة الإنسانية وللقضايا التي ترتبط بها حياة ملايين الناس الذين يسميهم التفكير البشري العاجز أمة ولنفسك.
وإذا لم يخطر لك شيء من ذلك وفضلت البقاء في ترفّعك السفلي عن كل ما يُقال له شرائع وقوانين للبشر وقوانين للبشر الفانين، فهنيئاً لك في نعمائك تتبوأ تحت فوقك وتمتع نظرك بفوق تحتك. ولا تنسَ أنك تحتاج، هناك في عليائك السفلية، لبعض الشرائع البشرية لشؤونك التجارية. وإذا فكرت في مبلغ فائدتها من هذا القبيل فقد تتنازل لتجد لها محلاً صغيراً في مقر «خلودك».
وعسى أن توفق في جميع ما لا يضر ناموس الأرض وساكنيها وشرائعهم ومنظماتهم وقوانينها وأنظمتها. ولتحيى سورية .
اعترض إكمال هذا الكتاب في جلسة واحدة بعض الأشغال الطفيفة وأبقي ليرسل في بريد واحد مع كتاب آخر تقرر تقديمه على هذا، ولذلك فقد أصدر عن مكتب الزعيم في 15 يناير/كانون الثاني 1942.
بعد: الحوالة المالية هي على فرع بريد كوردبة ورقمه 494 ـــ 181 وتاريخها 1 يناير/كانون الثاني الجاري، أي تاريخ صدورها.
