خطاب الزعيم في أول مارس/آذار 1938


أيها السوريون القوميون،
ما كاد الحزب السوري القومي يصبح كائناً حياً ويستكمل شروط كيانه حتى تعرض لما تتعرض له كل الكائنات الحية من اختبارات طبيعية وتجارب نفسية روحية. وهي اختبارات وتجارب ضرورية لمعرفة مواهب هذا الكائن الحي الجديد وخصائصه، وللتثبت من بنيته هل هي قوية تصلح للبقاء أم ضعيفة تتفكك لأول صدمة، ومن روحيته هل هي سليمة أم فاسدة لا تحقق شيئاً، ومن عقيدته هل هي صحيحة تعبّر عن فهم صحيح لحاجة أمة حية أم مخطئة لا تعبّر إلا عن أوهام شخصية؟ وبعد هذه الاختبارات العنيفة وهذه التجارب الدامية التي لا تزال أنغام أغلالها وأصفادها ترن في آذاننا إلى اليوم، وستظل ترن في آذان أجيالنا الآتية ليفهم الأحفاد قيمة حياة الأمة ومصالحها وما كلفت من حياتنا نحن الذين نصبح إذ ذاك جدوداً، بعد جميع هذه الاختبارات والتجارب يحسن بنا أن نقف في هذه المرحلة الأولى لنلقي نظرة على ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ونعيّن بالضبط مركزنا بالنسبة لهدفنا ولما حولنا.
إنّ الاختبارات والتجارب التي مرت بالحزب السوري القومي، وهو بعد في مهده، كانت اختبارات وتجارب عظيمة فاقت بقسوتها كل الاختبارات والتجارب التي مرت بالكائنات الحية الشبيهة بالحزب السوري القومي. وما خروج الحزب السوري القومي سليماً من هذه الاختبارات العظيمة والتجارب الشديدة سوى الدليل القاطع على قوّته التي لا تُغلب، وعلى جدارته بالبقاء وعلى تفوقه في النزاع العنيف بينه وبين القوات العاملة على قتل الأمة في سبيل حياتها هي.
لم تتعرض أمة لحوادث تاريخية عظيمة ذات تأثير طويل على تاريخها وحياتها كالحوادث التاريخية الجليلة التي ألمّت بأمتنا العظيمة، وابقتها تحت تأثيرها الطويل. فما كادت سورية تعود إلى إثبات شخصيتها ومزاياها على عهد الإمبراطورية الرومانية حتى جاءها الفتح العربي الذي اقتضى تغيير لغتها، ثم جاء فتح المغول الذي نكب البلاد وهدم دمشق، ثم عقبه الفتح التركي القاهر، وهذه الحوادث المتعاقبة التي تكوّن الحروب الصليبية فصلاً هاماً من فصولها، قطعت المجرى الثقافي الذي كان سائراً وجعلت مصير الأمة معلقاً على تفاعل هذه العوامل وتجاذبها السيادة، وأوجدت حالة سادت فيها الفوضى الاجتماعية والاقتصادية، فاضطرب سير العمران في هذه البلاد الجميلة التي التقت فيها الجحافل المتطاحنة الزاحفة من الجنوب ومن الشمال ومن الغرب، في طور من أطوار التاريخ الكثيرة الحوادث الخطيرة، وتضعضعت العقلية تحت ضربات الحروب والفتوحات فضاعت المعنويات السورية، التي قامت بالثورات العمرانية والثقافية الكبرى، وزرعت المدن البحرية في جهات المتوسط وحملت إلى جميع شواطئه فنون الحضارة السورية، وأمدّت الإغريق بالأساطير الفلسفية والفلسفات، ووضعت أسس التمدن الحديث، وانحدرت الأمة في مهاوي الخمول قروناً متطاولة.
كان من وراء هذه الأطوار القاسية التي مرت بالأمة أنّ الفضائل الكبرى التي امتازت بها أمتنا وانبثق منها فجر التمدن غارت تحت أطباق الخراب والانحلال القومي، وحلّت محلها خصال غير جديرة بانهاض الأمة من كبوتها. وتبع ضياع المعنويات ضياع الشخصية القومية ومصالحها الكبرى. وأدى التضعضع الاجتماعي إلى التضعضع الاقتصادي الذي ترك نتائج سيئة لا نزال اليوم تحت وطأتها.
كان التضعضع القومي عاماً وكاد يقضي على شخصية الأمة قضاءً مبرماً فلم يبقَ لها سوى بعض المؤسسات كالمراجع الدينية والمعابد والسلطة الإقطاعية ونظام العشيرة أو رابطة العائلة الدموية. ثم آذنت السلطنة العثمانية بالتفكك والانحلال وأخذت عوامل الشخصية السورية تختلج اختلاجات الحياة وتتململ، ووجدت في تضارب مصالح الدول الكبرى ومصالح الدولة العثمانية فرصة تساعدها على التملص من قبضة تركية. ولكن المعنويات كانت لا تزال صرعى، وظلمة الخمول مخيمة على الشعب. فعاد الأمر إلى المؤسسات القديمة وبعض الأفراد الذين بنوا نظرياتهم على تلك المؤسسات واستمدوا فلسفتهم السياسية منها. فكانت النتيجة تخبطاً اختلطت فيه السياسة بالدين والاجتماع بالسياسة. أما الاقتصاد فلم يكن له أثر.
إنّ الشعور الأول الذي تحكّم في عقلية اختلاجات الحياة السورية الأولى كان: "وجوب التحرر من ربقة تركية كيفما كان الأمر". لم يكن هنالك فكرة واضحة لتأسيس الحياة القومية ومصالح الشعب السوري، ولذلك اختلطت شؤون كثيرة سياسية واقتصادية ودينية وتداخلت بعضها ببعض وأصبحت التعابير كلها مترادفة، وكلها تعني التخلص من تركية. ولمّا كانت تركية تتسلط على أقطار عربية غير سورية ساعد وجود هذا العامل المشترك على دمج المسائل القومية بالمسائل اللاقومية والدينية، وتولدت فكرة إجماع أمم العالم العربي المخضعة لتركية على القيام بحركة تحريرية مشتركة، كانت الدول الكبرى تنظر إليها بارتياح، وعرفت هذه الفكرة، تحت عوامل أكثرها ديني، بـ "القضية العربية" التي اشترك فيها العاملون السياسيون من سورية ومصر والعراق وامتدت إلى بلاد العرب لتجد قوة دينية تتمركز فيها، لأن العاملين كانوا يجدون القوة الدينية، قوة السلالة النبوية والتعصب الديني، القوة الوحيدة الجديرة بإنجاح القضية. وبعض هؤلاء العاملين كانوا يعملون سراً للحصول على تأييد دولة كبيرة ومنهم من كان يسعى للحصول على حماية مثل هذه الدولة بعد التحرر من تركية.
في جميع ما كتب باللغتين العربية والتركية نجد "القضية العربية" حركة يقوم بها بعض المفكرين السوريين السياسيين، ومن اشترك معهم من أمم العالم العربي بقصد التحرر من السيطرة التركية. وفي الحقيقة أنّ هذا التعبير لم يكن له معنى غير التعبير عن طلب الحرية الذي يشترك فيه عدد من أمم العالم العربي. ولكن انطلاق هذا التعبير في مجموع الأمة السورية، وهو لذلك العهد مجموع مضعضع المعنويات مختلطة عليه المذاهب السياسية والدينية والقومية والوطنية، فسح المجال لإيجاد أغراض متعددة لتعبير "القضية العربية" فكان هناك مَنْ تخيّل "القضية العربية" حركة رجعية لإنشاء إمبراطورية عربية وإعادة عهد هارون الرشيد السِّيىء من الوجهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومن الناس من حسب القضية العربية رجعة إلى النظرة الدينية وشؤون الخلافة والإمامة. ومنهم من قام يبني من هذه القضية قضية نسبية ورابطة دموية، ويجعل منها مسألة "صلة أرحام". ومنهم من ذهب فيها مذهب القومية فعدّها قضية قومية تلغي أمم العالم العربي وتجعل العالم العربي كله بمقام أمة واحدة. ومنهم من عدَّ "القضية العربية" قضية حلف فأعاد إليها أقرب الأشكال إلى صفتها الأساسية.
يظهر مما تقدم أنّ الحركة التحريرية التي نشأت في سورية وأقطار عربية أخرى تحولت، تحت تأثير عوامل عديدة أهمها العوامل الدينية، إلى نوع من الفوضى في النظريات السياسية. وليس أدلّ على هذه الفوضى من التعابير الكثيرة المختلفة التي وصفت بها هذه الحركة التحريرية ومن محاولة تحويل هذه الحركة إلى قضية اختلط فيها الدين بالسياسة والاجتماع والاقتصاد والحقوق. ويبدو هذا الاختلاط جلياً في "أدب" هذه القضية غير المعينة وغير الموضوعة على بساط البحث الآن. فالذين يتكلمون عن "القضية العربية" ويريدون بها قضية قومية كثيراً ما يتحدثون عن الأقطار العربية والأمم العربية، ثم يعودون فيتكلمون عن القومية العربية خالطين بين القومية التي هي شعور كل أمة بنفسها وليست مشتركة بين عدد من الأمم، وبين عصبية دينية أو عرقية أو لغوية.
ظل أمر هذه القضية فوضى إلى أن جاء الحزب السوري القومي بنظريته الجديدة العملية، وأوجد قضية "إنشاء جبهة عربية" من أمم العالم العربي التي ترى في إيجاد هذه الجبهة مصلحة سياسية أو اقتصادية لها، فالزم الأشكال معانيها وفرق بين القضية القومية والقضايا السياسية وأحلَّ هذه القضية المعينة، العملية محل لفظة "القضية العربية" المبهمة المطاطة. فإنشاء جبهة عربية هي دعوة الحزب السوري القومي إلى أمم العالم العربي، التي يهمها الأمر، لتأليف جبهة على أساس المصالح المشتركة المعينة فيما بينهن، فلا تفرض أمة من أمم العالم العربي وجهة نظرها على أمة أخرى. ويتم تأليف الجبهة بتفاهم هذه الأمم بواسطة مؤتمر تمثل فيه، لا بتفرد بعض الفئات في بعض هذه الأمم بتعيين "قضية عربية" من عند أنفسهم لم ينظروا من ورائها إلى مصلحة سوى مصلحتهم الخاصة.
لم تكن "القضية العربية" الظاهرة الوحيدة للاختلاطات السياسية والدينية في أمتنا في العهد السابق ظهور الحزب القومي، بل نشأت ظاهرة أخرى هي ظاهرة "القضية اللبنانية".
يرجع أصل هذه القضية إلى الحوادث الدينية الدموية المعروفة بـ "حركة الستين" وهي حوادث القتال بين المسيحيين والدروز، التي انتهت بتدخل الدول الكبرى ذات المصلحة في تفكيك السلطنة العثمانية وبسط نفوذها على هذه الأرجاء، ووضع نظام خاص لجبل لبنان يحصل بموجبه الأمان للمسيحيين المقيمين فيه الذين يؤلفون أكثريته. وقد عفا نظام لبنان اللبنانيين من واجبات الدفاع عن حقوقهم وعوّدهم الاتكال على الغير في إدارة شؤونهم. وبقاء هذا النظام نحو نصف قرن عوّد اللبنانيين الكسل وحبّب إليهم حالة الاستكانة، وجعل قسماً كبيراً منهم يرى فيها المطلب الأعلى للحياة الاجتماعية والسياسية وولّد عند الطائفة المسيحية الكبرى التي استفادت من نظام لبنان حب استبقاء الحالة اللبنانية وإيجاد "قضية لبنانية" على أساسها.
على أساس هذه الرغبة في إبقاء الحالة الراهنة وتوافق هذه الرغبة مع العوامل السياسية الأجنبية أنشىء لبنان الكبير ثم أُعلنت الجمهورية اللبنانية، التي هي كيان سياسي يجد مبرراته في حوادث الاضطرابات الدينية في أواسط القرن الماضي وفي حالة الخنوع التي آل إليها اللبنانيون في ظل نظام لبنان السيِّىء الطالع.
هذه البلبلة الفكرية الروحية التي ترى مظاهرهها في "القضية العربية" وفي "القضية اللبنانية" ساعدت على تجزئة سورية وتفكيك وحدة حياتها ووحدة مصالحها وتوليد صعوبات جمة في سبيل نشوء قضيتها القومية التي جاء بها الحزب السوري القومي.
إنّ الذين تبلبلت أفكارهم وعقولهم يظنون أنّ قضية الأمة تحقق عن غير طريق الأمة. فالذين يرون بلوغ الأرب في قضية إسلامية يخمنون أنّ ستر هذه القضية الدينية بستار من جامعة عربية يخفي دوافعها الباطنة عن المسيحيين في هذا الوطن، ويقود الجميع في اتجاه واحد فهم لا يفهمون نفسية الجماعة وطبيعة العوامل الاجتماعية ويجهلون كل الجهل أنه مهما تظاهر المسيحيون بأنهم مقتنعون بقضية "الجامعة العربية" فلن يألوا جهداً في الاعتصام بقضية تناقض هذه الجامعة الدينية. والذين يرون الفلاح في قضية مسيحية يتوهمون أنّ ستر هذه القضية الدينية بستار من شكل أرض يسمونه "استقلال لبنان" يخفي عن المسلمين دوافع هذه القضية الباطنة، فتجوز عليهم الحيلة وينضوون تحت لواء هذه القضية. وهم أيضاً لا يفهمون نفسية الجماعة وطبيعة العوامل الاجتماعية ويجهلون كل الجهل أنه مهما تظاهر المسلمون بأنهم مقتنعون بقضية "استقلال لبنان" أو الانعزال في لبنان، فلن يألوا جهداً في العمل لقضية تناقض هذا الاتجاه الديني. والغباوة من الجانبين تُري الفريقين أنه يمكن التعويض عن الحقائق الاجتماعية وحاجات الجماعة بشيء قليل أو كثير من المنطق الكلامي.
على أساس هذه الغباوة نشأت الشركات السياسية لاستثمار النزعات المختلفة باسم "الوطنية". وقد عملت هذه الشركات طويلاً لغايات مبهمة من الوطنية بعيدة عن تنظيم الشعب وعقائده، عن إيجاد المؤسسات الصالحة للعمل القومي، وعن وضع قواعد تربية اجتماعية سياسية جديرة بتوليد المعنويات القوية الكامنة في نفسية الأمة.
فكان من وراء ذلك إقصاء الكفاءات السورية الجديدة، الآخذة في الظهور، عن الاشتراك في عمل منظم يعطي النتائج المرغوبة واتجاه الشركات المؤلفة نحو الاحتكار.
هذه هي الحالة السياسية المشؤومة التي كان عليَّ أن أواجهها عند عودتي إلى الوطن، هذه هي الحالة السياسية التي أخذ الحزب السوري القومي يعالجها على ضوء مبادئه وأهدافه. هذه هي الحالة السياسية المشؤومة التي نتج عنها الانحطاط المعنوي في النفسية السورية الظاهر في أقوال كهذه: "نحن أمة ضعيفة لا قبل لنا بأمر كبير كالاستقلال. بلادنا كانت ممراً للفاتحين وهي الجسر بين الغرب والشرق وستظل كذلك. ماذا يستطيع أربعة ملايين سوري أن يفعلوا؟ إلخ". ومن هذه الأقوال، التي كنا نسمعها ولا نسمع غيرها قبل نشوء الحزب السوري القومي، يظهر لكم جلياً مبلغ انحطاط المعنويات الذي بلغت إليه الأمة السورية على عهد الشركات السياسية. وهي هذه الأقوال، ما يتذرع به كلا الفريقين: القائل بـ "القضية العربية" والقائل بـ "القضية اللبنانية" أولئك يتذرعون به ليبرروا إنكارهم حق أمتهم بالحياة والعمل للجامعة الإسلامية ـ العربية، وهؤلاء يتذرعون به ليبرروا تمسكهم بانعزال لبنان ووضعه تحت حماية دولة أجنبية مسيحية. وكلا الفريقين على ضلال مبين.
هذه هي الظروف السياسية المتولدة من الحوادث التاريخية القاسية، التي مرت بأمتنا في عصورها المتأخرة وجاء الحزب السوري القومي ليبطل مفعولها ويزيل اثرها.
أما الظروف الروحية النفسية المتولدة من هذه الحوادث ومن الظروف السياسية الاقتصادية المتأتية عنها فهي ظروف انحطاط في المناقب عز نظيره. فإن فقد الثقة بالنفس وبقوى الأمة وإمكانياتها السياسية والاقتصادية، والاستسلام للخنوع، أنشأ طائفة من المأجورين للإرادات الأجنبية القريبة والبعيدة يغذون الأفكار بسموم فقدان الثقة بمستقبل الأمة والتسليم للأعمال الخارجية والحالة الراهنة. فإذا النفسية العامة في الأمة نفسية خوف وجبن وتهيّب وتهرّب وترجرج في المناقب والأخلاق. ومن صفات هذه النفسية العامة الخداع والكذب والرياء والهزؤ والسخرية والاحتيال والنميمة والوشاية والخيانة وبلوغ الأغراض الأنانية، ولو كان عن طريق الضرر بالقريب وعضو المجتمع.
هذه الحالة كانت أكبر نكبة أصيبت بها الأمة، والتفاعل بينها وبين الحالة السياسية كان وخيم العواقب معدماً كل أمل بتوليد نهضة قومية صحيحة وكل أمل بتحقيق القضية القومية. فاليأس ساعد الفساد الأخلاقي مساعدة عظمى والفساد الأخلاقي قوّى اليأس ووطد النفوس عليه.
هذه هي الظروف السياسية والروحية التي وجدتُني محاطاً بها عندما قررت وجوب إنقاذ الأمة بإنشاء الحزب السوري القومي، والسعي لاكتشاف العناصر السليمة الضالة في فوضى هذه الظروف وتنظيمها في الحزب.
من البديهي أنّ الحركة للتحرر من سيطرة تركية، التي عرفت فيما بعد بـ "القضية العربية" لم تكن القضية القومية بل القضية السياسية الأولى الناشئة من الاختلاجات القومية الأولى. فالقضية القومية لا تنحصر في فكرة التحرر السياسي من ربقة دولة مسيطرة بل القضية القومية تكون في إدراك شخصية الأمة وحاجاتها وإيجاد المبادىء الموحدة صفوفها واتجاهها، ووضع أسس كيانها الثابت المجهز بجهاز البقاء والتمييز بين حقوقها وحقوق الجماعات الأخرى. ولما كانت سورية مجتمعاً واحداً قائماً بذاته في القطر السوري تتفاعل ضمنه حياة اجتماعية اقتصادية واحدة، كان همّي الأول تعيين قضية هذا المجتمع الذي هو مجتمعي، والقضاء على الاختلاطات السياسية الدينية التي بلبلت عقائده وأضاعت شخصيته مدة من الزمن، وتأسيس قضيته القومية الجامعة مصالح السوريين جميعهم وحقوقهم المولدة إرادة الأمة السورية أن تدرك مصالحها وحقوقها وأن تنمي وتوسع هذه المصالح والحقوق. وقد تمكنت من تكوين قضية الأمة السورية تكويناً تاماً في المبادىء التي أعلنتها ودعوت الشعب إليها وتأسس عليها الحزب السوري القومي.
كان تأسيس الحزب السوري القومي ضربة قاضية على البلبلة الفكرية الروحية، وبدء اتجاه الأمة نحو قضيتها التي هي قضية حياتها ومصيرها ومطالبها العليا. فالقضية السورية القومية وضعت حداً للفوضى السياسية والاجتماعية فلم تعد الحركة القومية مجرد انتقاض على الإرادات الأجنبية والسيطرة الأجنبية أو حركة جماعة مسيحية أو جماعة إسلامية، بل حركة أمة أدركت وحدة مصالحها وحقيقة حياتها فأرادت هذه الحقيقة وعملت لهذه الحقيقة. هذا هو عمل الحزب السوري القومي.
بهذه الحقيقة أردت معالجة الحالة الفكرية السياسية المضطربة الحائرة بين إبهام "القضية العربية" والاختلاطات المشتملة عليها، وعماوة "القضية اللبنانية" والاشتراكات الداخلة فيها. وبهذه الحقيقة انتصرت على اليأس وظلمة الفكر وتشوش الشعور.
ما أعظم الفرق بين الأمة بعد إعلان هذه الحقيقة والأمة قبل إعلانها. ففي هذه الحقيقة نرى حقيقتنا نحن ـ وجودنا ومصالحنا، شخصيتنا وإرادتنا ومطالبنا العليا. في هذه الحقيقة ندرك قوّتنا ومؤهلاتنا ومقدرتنا، وعلى هذه الحقيقة نسيّر خططنا لفلاح أمتنا. على ضوء هذه الحقيقة أصبحنا نرى جيداً مقاصدنا وطريقنا.
بهذه الحقيقة صرنا ندرك أنّ الإرادة الواحدة الدائمة لا تكون إلا وليدة المصلحة الواحدة الدائمة. وإنّ المسائل السياسية لا يمكن أن تصبح قضايا عقائدية مهما اجتهد العاملون لها في إيجاد تعليلات كلامية عقائدية لها. فالمسألة اللبنانية هي مسألة سياسية تتعلق بظروف الجماعات الدينية لا يمكن أن تصير قضية عقائدية لأنها مسألة ظرفية هي من آثار زمن العصبيات الدينية. أما محاولة الرجعيين والنفعيين استغلال اختلاطات المسألة السياسية التي سمِّيت "القضية العربية" وتحويلها إلى قضية عقائدية فهي نوع من محاولة العبث، لأنه إذا كان هنالك بعض المصالح الظرفية يشترك فيها عدد من أمم العالم العربي، فالإرادة الناشئة عنها هي إرادة ظرفية أيضاً، ليست ثابتة ولا دائمة، لأنها ليست وليدة وحدة حياة اجتماعية ووحدة مصالحها الدائمة. فمصلحة التعاون على تحرير الأقطار العربية ليست مصلحة قومية لأنها تنتهي بحصول الحرية وتزول لتترك المجال للمصالح القومية الخاصة الدائمة الناشئة عن وحدة حياة دائمة التي منها تتولد إرادات قومية خاصة دائمة، والتي تتعين بتعيين المجتمع وتتميز بتميّزه، كما تتميز بمجموعها مصالح الزرّاع والصنّاع والتجار وأهل الفنون والأدب السوريين، وحقوقهم ومطالبهم العليا عن مصالح رعاة الإبل والغزاة العرب وحقوقهم ومثلهم العليا في مجموعها، أو عن مصالح الزرّاع والصنّاع والتجار وأهل الفنون والأدب المصريين وحقوقهم ومطالبهم العليا في مجموعها.
إنّ اشتراك أمم العالم العربي في طلب الحرية والاستقلال لا يولِّد وحدة قومية، بل يولِّد وحدة اتجاه سياسي تظل قائمة ما دام هنالك حاجة إليها. فإذا تمَّ التحرر السياسي عادت كل أمة من هذه الأمم إلى حاجاتها ومصالحها الناشئة عن وحدة حياتها. ونحن لا نريد أن نكون قصيري النظر إلى حد أن تختلط علينا المصالح القومية والحاجات السياسية.
نحن لنا وحدة حياتنا في هذا الوطن الذي هو وطننا وتراثنا، ولنا مصالحنا التي لا نخلط بينها وبين مصالح الوحدات الأخرى، ولنا إرادتنا التي لا نقبل إرادة غيرها.
إنّ الذين يقولون عنا: إننا نريد غاية ما يريدونه هم وسيلة، هم مصيبون جداً في هذا القول. ولكن هذه الإصابة تزيد في قوّتنا بدلاً من أن تضعفنا، كما يتوهمون، لأنها تدل على أننا نرى مصلحة أمتنا وحقها في السيادة على نفسها ووطنها غاية جهادنا، وعلى أنهم يرون مصلحة أمتنا وحقها في الحياة والسيادة وسيلة لبلوغ مصالح أخرى غير هذه المصلحة. إنهم يرون مصالح السوريين وسيلة يخضعونها لمصالح أمم أو دول أخرى يحلمون بتشييد إمبراطورية منها. أما نحن فنقول إنّ مصالح شعبنا هي غايتنا. فنحن ننهض في سبيل مصالحنا وحقنا في الحياة والسيادة. ونقول للأمم الأخرى أن تنهض هي بدورها في سبيل مصالحها وحقها في الحياة، فإذا فعلت فإننا ندعوها لتأليف جبهة تعاونية لبلوغ الأهداف لا تقضي على شخصيتنا ولا تجرّدنا من حقوقنا ومصالحنا القومية.
وإنّ تأسيس قضيتنا القومية في مبادىء الحزب السوري القومي، التي كنت حريصاً جداً على أن تكون معبّرة عن حاجاتنا ومصالحنا وإرادتنا، أنقذنا من حالة اليأس وبدّل من حالة التخبط بحالة الجلاء والعمل الجدي المنظم في الحزب القومي. ونحن الآن جادون في هذا الطور العملي لوضع الأمة السورية كلها على طريق الفلاح.
هذه الحالة الجديدة التي أوجدها الحزب السوري القومي جعلتنا ندرك جيداً الفرق بين مبدأ كره الأجنبي الغامض ومبدأ الحياة القومية ومصالح الأمة والغرض القومي الجليّ.
ليست مبادئكم، ايها القوميون، خطة سياسية يمكن أن يبحث أمر الأخذ بها أو تركها حسبما يبدو للناس من إمكانية نجاحها أو هبوطها. إنها مبادىء قضيتكم التي تمثّل شخصيتكم ومصالحكم. إنها مبادىء نهضتكم التي لا شخصية ولا كرامة لكم إلا بنجاحها. إنّ قضية شخصيتنا ومصالحنا لا يمكن أن تكون خطة أو وسيلة، فهي الأساس الذي نبني عليه كل منشآتنا والمرجع لكل خططنا.
تكفلت القضية القومية بإعادة الثقة والمعنويات الإنشائية، التي امتازت بها أمتنا وقادت بها البشرية منذ بدء الحضارات الأولى إلى تأسيس المدنية الحديثة المنتجة من التفاعل السوري ـ الإغريقي. وهذا القصد هو الذي قصدته من وضع المبدأ الثاني من مبادىء الحزب السوري القومي القائل: "القضية السورية قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى". وقد عينت بهذا المبدأ أنّ قضية الأمة السورية قضية يجيء تحقيقها من الأمة السورية ويكون بإرادة الأمة السورية وفاقاً لمصالحها، لا بإرادة أمة أو أمم أخرى وفاقاً لمصلحة تلك الأمة أو الأمم. من هذا المبدأ تولدت فينا قوة الثقة بالنفس والاعتماد على النفس في تحقيق مطالبنا. ومن هذا المبدأ خرج إيماننا الراسخ بأن سورية تقدر أن تحيا تحت كل الظروف القريبة والبعيدة، مهما يكن من أمر هذه الظروف. إنّ هنالك فرقاً عظيماً بين المعنويات المتولدة من اضطلاعنا بمسؤوليات مصالحنا وحقوقنا وبين وضع مسؤوليات هذه المصالح والحقوق على الغير أو على اشتراكات واختلاطات تضيع فيها المسؤوليات والمصالح والحقوق، كما كان الحال في قضية "استقلال لبنان: وفي "القضية العربية".
بعد أن وضعتُ مبادىء القضية القومية التي هي مصدر جلاء الأفكار ووحدة العقيدة والاتجاه، وأوقفتُ الاختلاطات السياسية الدينية في المسائل القومية من الوجهة النظرية شرعتُ في إيجاد الوسائل العملية لتحقيق القضية القومية. ولم تكن المهمة هينة في جو موبوء كجو الحالة المناقبية والأخلاقية السيئة التي أشرت إليها. ولكني وضعت قاعدة أساسية أتمشى عليها وهي البحث عن العناصر الجديدة السليمة وتعليمها المبادىء الجديدة وإفهامها قضية الأمة، وتكوين حزب منها ينشأ بمعزل عن الاختلاطات المذكورة آنفاً نشأة صحيحة قوية بمعنوياتها، حميدة بمناقبها، سليمة بروحيتها صالحة لحمل أعباء القضية. وقد توصلتُ بعد جهد إلى لمس قابلية ثلاثة أشخاص من الشوير: إثنان منهم كانا طالبين في الجامعة الأميركانية، وواحد من هذين أرسل إليَّ كتاباً يطلعني فيه على اهتدائه إلى بعض الطلبة ذوي الإمكانيات، واحد منهم من شرق الأردن، والباقون من لبنان، ويسالني الإسراع في العمل. فطلبت منه أن يأتي برفقائه فجاء بهم إليَّ وكانوا ثلاثة، أحدهم جورج عبد المسيح، وآخر من شرق الأردن، وآخر من لبنان رفيق للأردني. وبعد مباحثتهم وجدت أقربهم إلى فهم الفكرة والقضية جورج عبد المسيح الذي كان طالباً في الاقتصاد. أما الاثنان الآخران فكانا بعيدين جداً عن فهم القضية لأنهما كانا متأثرين بالاختلاطات السياسية الجارية. وكان الأردني طالباً في علم السياسة ورفيقه طالباً في الأدب. وبعد جدل كثير حول المسائل السياسية تظاهر الأردني بالاتفاق مع رفيقه اللبناني بقبول الدعوة على أساس المبادىء التي وضعتُها أمامهم، وتظاهرت أنا بأني اقتنعت بصحة قبولهما في حين أنّ شكوكاً كثيرة خامرتني في صددهما، وشبهت للجميع أنني أباشر تأسيس الحزب معهم وانصرفت إلى البحث بنفسي بين طلبة الجامعة الأميركانية الذين كانوا يدرسون الألمانية عليَّ عن العناصر التي أريدها فاهتديت إلى فرد آخر ومعلّمين في الاستعدادية والابتدائية، واحد منهما لم يكن صالحاً لحمل رسالة الإيمان، ولكني رأيت أن أستعين بهذا العدد غير المتجانس على القيام بالاختبار الأول لتأسيس الحزب. وبعد قليل من السير انكشف لنا أنّ الأردني يراوغ بالاشتراك مع رفيقه فهو ما انفك يتمسك بمظاهر الاختلاطات السياسية بدلاً من الأخذ بجلاء القضية القومية، والاخر ألقى قصيدة في دمشق تثير النعرة الطائفية. وكنت قد استوثقت من نزاهة الآخرين وإخلاصهم فجمعتهم وأطلعتهم على رغبتي في طرد الأردني ورفيقه من الحزب. ولمّا لم يكن قد وُضع للحزب دستور رأيت أن يكون الطرد بصورة حل الحزب فدعوت الجميع إلى اجتماع حضره الدجّالان، وأبديت لهم رغبتي في تأجيل العمل الحزبي إلى أن أكون قد وجدت استعداداً وتفاهماً تامّين بين الذين يرغبون في السير معي، وأنّ عملنا قد انتهى، وأنّ كل واحد حر. وبعد أسبوع أو أسبوعين عدت فجمعت الآخرين وأعدت تأسيس الحزب منهم سراً وكانوا كلهم نزهاء مخلصين وأكثرهم جدير بالأعمال التعميرية. وبناءً على نزاهتهم وإخلاصهم وثقتهم التي أخذت تتزايد بتزايد إيمانهم اعتبرت الحزب السوري القومي قد تأسس نهائياً.
أحببت أن أُظهر هذه اللمحة عن واقع إنشاء هذا الحزب العظيم وتوليد هذه النهضة القومية الجبارة، لتدركوا مقدار الفساد الذي كان قد تغلغل في المعتقدات والمناقب والأخلاق في مجتمعنا. فمن أربعة اشخاص يجتمعون إلى صاحب الفكرة القومية كان اثنان يعتقدان أنّ القضية القومية ليست سوى وسيلة سياسية لبلوغ أغراض في نفسيهما، ويجيزان لنفسيهما احتقار إخلاص رفيقيهما وسلامة طويتهما ويظنان أنّ المناقب والأخلاق ليست إلا صوراً شعرية، وهكذا ترون الفائدة العملية الكبيرة من القاعدة التي وضعتها واعتمدتها لتوليد النهضة القومية ومن العمل بموجبها، فإنني لو تركت الفساد يستمر مندمجاً مع الصلاح والجدارة لما كان نمو الحزب سوى تضخم لا يلبث أن ينتهي إلى التفسخ والتفكك. إنّ عملية تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القومية المجددة ابتدأت مع ابتداء الحزب، ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية.
بعد نحو سنة ونصف من عمل بطيء خفي لم يزد فيهما عددنا على ثلاثين عضواً، ازداد تنبه الأعضاء وابتدأوا يصيرون قوة فاعلة لها ثقة بنفسها وإيمان بقضيتها فاتسعت دائرة الأعمال الإذاعية والدعوة إلى اعتناق المبادىء الجديدة والدخول في الحزب، وكانت الدعوة إفرادية سرية، فازداد الإقبال وأخذت المعنويات تشتد والأمل يقوى. وفي بضعة أشهر بلغ عددنا ألف عضو. وكانت سنة 1935 سنة إقبال واسع النطاق وكنت في سنة 1934 قد وضعت مواد التشريع الأساسي وأوجدت بعض المؤسسات فنشأت الفروع وتعيّن عدد من المسؤولين لممارسة الصلاحيات الإدارية في المركز والفروع. وأخذ الحزب السوري القومي يتجه من حالته السرية الأولى نحو صفته الصحيحة، وهي أن يكون حركة شعبية واسعة النطاق وثورة اجتماعية ـ اقتصادية ـ سياسية.
بين أواسط سنة 1935 وأواخرها نما الحزب نمواً كبيراً واتسع نطاقه، ولم يعد في الإمكان إخفاء هذه الحركة الفكرية الاجتماعية السياسية العظيمة. فأخذ أمر الحزب يظهر شيئاً فشيئاً وصار بعض الناس يتهامسون في البيوت والأوساط العائلية عن هذه الظاهرة الجديدة. ولكن الشعور بوجود الحزب السوري القومي واتصال هذا الشعور بدوائر الاستخبارات والأمن العام لم يكونا كافيين لجلاء حقيقة هذا الحزب وطبيعته ومبلغ قوّته فكان لا بد من اكتشاف خائن لأن رجال الحزب المركزيين كانوا كلهم مخلصين ومنزهين وكانوا قد اصبحوا ثابتين في مراكزهم. وتمكنت هذه الدوائر من اكتشاف أكثر من خائن ومأجور واحد ولكن واحداً منهم فقط تمكن من انتهاز فرصة تشعب أعمال الحزب والوصول إلى معلومات وثيقة عن أماكن أوراق الحزب واسماء جميع العاملين المركزيين، فأعطى هذه المعلومات إلى دائرة الأمن العام، التي اتخذت تدابيرها في الحال وكان أمر القبض علينا في السادس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1935.
كان هذا الاعتقال أول تجربة تتعرض لها قوة المبادىء والمناقب والأخلاق الجديدة. وقد وقع معاونيَّ، أعضاء مجلس العمد وبعض الموظفين المساعدين، في حيص بيص. وكانوا في حيرة من أمرهم حينما مررت بهم نحو الساعة الثانية بعد الظهر إلى الغرفة المجاورة لغرفتهم في دائرة الأمن العام وواحد منهم تنكّر لي وتظاهر بأنه لا يعرفني. إلا أنّ رئيس مجلس العمد السيد نعمة ثابت اقترب مني وهزَّ يدي هزة معنوية وقال: "لا بأس". والشيء الوحيد الذي تمكنت من أن أقوله لهم في مروري هو أني قد اعترفت بوجود الحزب السوري القومي وأنه يجب على كل واحد أن يعترف بالوظيفة والمسؤولية اللتين يحملهما ويترك الباقي من الأمر لي أنا.
من هذه النقطة ابتدأت الثورة الروحية العملية على الخوف والوجل والتهرب، على صفات الخنوع والذل. "إني أسست حزباً قومياً في السر لا لكي يبقى في السر، بل ليظهر للملأ معلناً تجدد أمة كان العالم يظنها ميتة" هذه هي العبارة، التي أجبت بها على سؤال قاضي التحقيق الأجنبي عن السبب في كون الحزب سرياً.
أتظنون أنّ هذه العبارة هي التي يتوقعها الناس. ألم يقل الكثيرون في نفوسهم "سنرى كيف يتنصل سعاده من تبعة الأمر الذي يقوم به؟"
الحقيقة أنّ الحزب السوري القومي هو أول حزب تجرأ على التأسيس في سورية بعد إلغاء الأحزاب وإعلان قوانين قمع الجرائم المخيفة. وكنت أشعر أنّ الكثير من الذين دخلوا الحزب كانوا يظنون التستر والخفية أقوى قوة في الحزب، ويتخوفون كثيراً من انكشاف أمر الحزب وظهور أسمائهم حتى أنّ مجلس العمد الأول بحث في إحدى جلساته ضرورة كتمان اسم الزعيم والعمد، فلما رفضت أن يكتم اسمي والعمل بسياسة الكتمان والإبهام رأى أعضاء المجلس أن يوافقوني على أنّ سياسة الجلاء والصراحة هي الأوفق. وكم من الذين جاؤوا يراجعونني في أمر إتلاف بطاقات العضوية المثبتة مسؤوليات الأعضاء فرفضت الإصغاء لصوت الخوف والوجل، وأجبت الذين كانوا يطلبون إتلاف التذاكر أو الاستغناء عنها "إننا حين ندخل الحزب السوري القومي ندخل في حياة جديدة لا نريد أن نتخلى عنها" والذين كانوا يقولون "لا حاجة لهذه البطاقات، لأن الإيمان في القلب، والأصل الباطن وكلمة الرجل تكفي لتقييده" أجبتهم "إنّ الظاهر يجب أن يدل على الباطن والذي يتقيد بكلمته لا يرفض أن تكون هذه الكلمة خطية وحاملة توقيعه". إني أبغضت السياسة في القومية وكرهت الاحتيال للتهرب من المسؤولية بشرف ولكني لم أحتقر الذين خاطبوني، لأني كنت أعرف نفسية البيئة قبل النهضة، بل صبرت وحدثتهم بما يشجعهم ويقوي معنوياتهم.
إنّ موقفي في دائرة الأمن العام وعند قاضي التحقيق الفرنسي كان مشجعاً لرفقائي ولكن بعد الليلة الأولى في السجن عاد إليهم الشك والتفكير في المصير المبهم فأخذوا ينحون عليَّ باللائمة ويعدّون اتساع نطاق الحزب من الأغلاط التي أؤاخذ عليها، وإني لو أصغيت لرأي بعضهم وعملت به لما كان الحزب بلغ هذا الاتساع، ولما كان انكشف أمره ولما كنا دخلنا السجن. فلما تضايقت من هذا الملام حملت وسادة وانتحيت ناحية وقعدت لوحدي فشعر رئيس مجلس العمد بالغلط الذي ارتكبوه، وجاء إليَّ واعتذر عن الضعف الذي أظهروه. وبعد أيام جاءت الأخبار عن تنبه الرأي العام وتقديره موقف الحزب فانتعشت الآمال داخل السجن وقويت المعنويات خارجه بما ظهر من عطف في الرأي العام. ومع ما ظهر على معاونيّ الأول والرفقاء الذين سجنوا معهم من ضعف أوّلي فلا بد لي من التصريح بأن فترة الضعف كانت قصيرة وأنهم تحملوا الصدمة هم وعيالهم وأهلهم على أفضل ما أمكن.
بالموقف الذي وقفناه بين دخول السجن والخروج من المحكمة انتصرت روحية الحزب السوري القومي على عوامل الزمن العتيق وروحيته العديمة الفضائل والمناقب.
بعد المحاكمة وصدور الحكم عليَّ بالسجن ستة أشهر، انصرفت إلى تأليف كتابي نشوء الأمم فأكملته في نحو ثلاثة أشهر بينما كنت أتتبع، ما أمكن، أعمال الحزب وحالة البلاد.
مما لا مشاحة فيه أنّ ظهور الحزب السوري القومي بهذا المظهر الجريء السامي أطلق في جسم الأمة تياراً فكرياً قوياً وثورة خواطر لم يسبق لها مثيل في القرون المتأخرة. وكان من البديهي أن تنكسف أمام أنوار النهضة القومية الأنوار الضئيلة التي ظلت مدة من الزمن الأنوار الوحيدة في البلاد. ولكن اصحاب هذه الأنوار الضئيلة غاروا غيرة كبيرة من الحزب، ورأوا أن يقوموا بعمل يحوّل اتجاه الأنظار إليهم بعدما أخذت تتجه إلى الحزب السوري القومي، فحركوا الجماعات في الداخل وحملوها على الهياج وإقفال المدن والمطالبة بعقد معاهدة تحل محل الانتداب. ولكنهم لما تيقنوا من الخطر الذي أحدق بهم حين تدخل الجيش الفرنسي في الأمر، أصدروا بياناً إلى الشعب يدعونه فيه إلى العودة إلى مجرى حياته العادية وترك الأمر لهم ليعالجوه بطرقهم السياسية. ولكن الطلاب أبوا الإذعان لهذا البيان وكان بينهم عدد من أعضاء الحزب السوري القومي فاظهروا خرق رأي البيان ونادوا بالاستمرار في الإضراب إلى أن تحقق المطاليب. وخرج الطلاب يطوفون أحياء دمشق ويعيدون إغلاق ما فتح من مخازنها، إلى أن تقرر فتح المفاوضات التي انتهت بعقد المعاهدة.
الحقيقة أنّ عقد المعاهدة لم يكن إلا استثماراً للتنبه الذي أحدثه ظهور الحزب السوري القومي. ولذلك جاءت معاهدة خالية من الشروط القومية الأساسية واقتصرت على بعض المطاليب، التي لا تعبّر عن إرادة الأمة بل عن وجهة نظر رجال "الكتلة الوطنية" غير المنظمين، وغير واضحي الأهداف القومية، المنشئين سياستهم على الاعتباط والمناسبات.
وليس أظهر لسياسة "الكتلويين" الاعتباطية من حملة بعض رجالهم على الحزب السوري القومي قبل درس مبادئه وأهدافه وسياسته، ومن إبائهم الاتصال به والاعتراف به وبجدارته لمعالجة القضية القومية والمسائل السياسية والتضامن معهم. فهم غاروا غيرة شديدة على كبريائهم من أن يمسها تفوق الحزب السوري القومي بنظرته القومية الجلية ونظامه البديع ونهضته الرائعة. ولم يريدوا أن يكتفوا بالمقدار الذي تمكنوا من إعطائه، إذ ليس ذلك من صفات الشركات السياسية، بل ارادوا أن يدّعوا كل شيء لأنفسهم وأن ينكروا على غيرهم مؤهلاتهم وابتكارهم. فبدلاً من أن يفتحوا الباب للتقارب بينهم وبيننا والتفاهم على خوض المعركة معاً، والمعركة تلك كانت تحتاج لوجودنا وللاستعانة بنظرياتنا ونظامنا، تجاهلونا وتجاهلوا الحدث العظيم الذي قمنا به، والثورة التي ولّدناها وأهملوا الإمكانيات التي أوجدتها نهضتنا واقتصروا في مفاوضات سنة 1936 على المطاليب عينها التي قدموها سنة 1928، بل على أقل منها.
مع كل ذلك، ومع أنهم بادأونا بهجوم اعتباطي فقد قررت التعاون معهم على الرغم منهم في سبيل المصلحة القومية وأصدرت تعليماتي في هذا الصدد من السجن. وبناءً عليها توجه من عيَّنته نائباً إدارياً للزعيم وأخذ بصحبته أحد المفوضين إلى دمشق وعرف هذا الوفد بوفد صلاح لبكي ومأمون أياس، الذي قدم للوفد المفاوض مذكرة اقتصادية باسم الحزب. ثم عدت فأرسلت تعليمات من السجن بوجوب إرسال مذكرة باسم الحزب السوري القومي إلى الوفد الذاهب إلى باريس توصي هذا الوفد بوضع تحفظات في المعاهدة من أجل العقيدة القومية في لبنان، وترك الباب مفتوحاً لاتصاله بالشام في المستقبل. وقد جاءني من إدارة الحزب جواب رسمي بأن مذكرة بهذا المعنى سلِّمت إلى الوفد في رياق قبل مسير القطار بدقائق قليلة. ثم أرسلت تعليمات جديدة في 25 فبراير/ شباط 1936 بوجوب وضع مذكرة باسم الحزب السوري القومي تعلن وجهة نظر الحزب في المسألة المعروضة للبحث في باريس. وقد كانت دهشتي عظيمة عندما قرأت في الجرائد أنّ الأستاذ صلاح لبكي، الذي كان آنئذٍ نائباً للزعيم، قدم باسمه الشخصي مذكرة إلى الجمعية الأممية عرفت بـ "عريضة الأستاذ لبكي". وقد علقت على هذه "العريضة" في كتاب أرسلته من السجن في 8 مارس، آذار 1936 بهذه العبارة: "إنّ الحزب يجب إلا يظهر بأنه يقتصر على لبنان وتمثيل إرادة لبنانية، بل يجب أن يمثل دائماً آمال الأمة السورية جمعاء" ولم أعلق آنئذٍ شيئاً على المظهر الشخصي الفردي الذي ظهرت به هذه "العريضة" التي أرادتها أن تكون رسمية أو لها، على الأقل، صفة الجماعة.
أيها السوريون القوميون،
إنّ حزبكم هو الذي قام بالنهضة القومية التي حملت وزارة فرنسة على انتهاج خطة جديدة تجاه سورية، ولكن المتزعمين لم يحسنوا الاستفادة من الظروف الملائمة التي خلقناها، بل استفادوا منها لعقد معاهدة لم يحتاطوا لجعلها مستوفية شروطاً أساسية واتخذوها هي احتياطاً لسياستهم. وعندما سألنا عن أسباب تراجعهم في المفاوضات سمعنا أنهم قالوا: "إنّ الفرنسيين كانوا يرفضون البحث خارج النطاق الذي حددوه!".
ولا بد لي من التصريح أيضاً أنّ الحزب قد قصّر كثيراً أثناء وجودي في السجن في الاستفادة من القوة الروحية العظيمة، التي ولّدها في الشعب، ولم يفعل شيئاً في سبيل إظهار قوّته. فبالرغم من تعليماتي الصادرة من السجن بأني أريد أن أرى الحزب في جمهوره وقوّته المعنوية يوم خروجي من السجن، فإن الإدارة المركزية قررت منع السوريين القوميين من استقبال الزعيم في مجموعهم يوم خروجه من السجن، وقسمت الاستقبال إلى فرق ومواعيد استغرقت نحو شهر كامل فتقسمت بذلك معنوية الحزب وضعف اندفاع أعضائه وكانت تلك الفرصة مناسبة جداً لزيادة معنويات الحزب وإظهار قوّته.
ولم أكد أفرغ، بعد خروجي من السجن، من برنامج الاستقبالات الطويل حتى حدثت حوادث تأديب الصحفيين الذين أخذوا يفترون على الحزب، وتلا ذلك اعتقال عدد من الأعضاء ثم اعتقال الزعيم. ولما كنت رأيت من الاعتبار السابق أنّ تدبير نيابة الزعامة الذي لجأت إليه المرة الأولى ليس مستوفياً شروط العمل به تركت مرسوماً بتشكيل مجلس أعلى موقت وتعيين الأعضاء صلاح لبكي، نعمة ثابت، مأمون أياس، فوزي بردويل، يوسف بحمدوني أعضاء في هذا المجلس برئاسة صلاح لبكي. ولكن هذا المجلس اجتمع، بعد الجهد الجهيد، في جلسة غير رسمية وغير نظامية، على شاطىء البحر وأجمعت آراء ثلاثة أخماسه على عدم إمكانية العمل وعلى عدم مقاومة الضغط وعلى التخلي عن مسؤوليات المجلس. وقرر الجميع تفويض العضو مأمون أياس بالإدارة العامة.
كان ذلك روحية سيئة جداً من الذين وضع الزعيم ثقته فيهم، انعكست على روحية الأعضاء عموماً وأوجدت في الحزب ميلاً إلى الخضوع للضغط والتراخي وزعزعت مبدأ التضامن في المسؤوليات والعمل النظامي، وهدمت كثيراً من الثقة العامة التي اكتسبها الحزب من مظاهر القوة والعزم في السجن الأول. فدعا ذلك إلى أسفي الشديد ولكني ظللت واثقاً بإيمان الأعضاء ورسوخ عقيدتهم. وبعد مدة من الفوضى في شؤون الحزب بسبب اضطرار المدير العام ورئيس مجلس العمد السابق إلى التواري عن الأنظار، تطلب التحقيق سجن صلاح لبكي فجيء به إلينا. فأظهر لي أعذاره واستعداده للعودة إلى العمل بعد خروجه من السجن فقبلت أن أعطيه فرصة أخرى. فشكلت مجلساً أعلى ثانياً وأعدته رئيساً عليه، ولكن عمل هذا المجلس لم يكن منتظماً وحصلت مشادة بين الرئيس والأعضاء على الخطة السياسية. وأهمل أمر الفروع حتى اشترك فرع طرابلس في حوادث الاضطرابات من تلقاء نفسه. وظهرت في أعمال هذا المجلس بعض البوادر الشخصية غير الواضحة.
خرجت من السجن الثاني بعد قضاء أربعة أشهر ونيف في معاملة سيئة واضطهاد، بعد أن أكدت لرئيس الجمهورية أنّ الحزب يسعى الآن لتحقيق فكرة الوحدة القومية، خصوصاً وأنّ السبيل للمطالبة بالوحدة السياسية قد أقفله "الكتلويون" عملياً. وكان أول عمل رأيت القيام به هو زيارة مناطق الحزب وتفقد روحية الأعضاء. فزرت منطقة اللاذقية أولاً ووتجولت فيها وقفت على روحية الأعضاء وعلى الإصلاح الإداري الذي تحتاج إليه وباشرت تأمين ذلك. ثم أخذت أعيد تشكيل الإدارة المركزية. وكانت الشؤون السياسية تتطور تطوراً سريعاً وجاءت الأخبار عن انتظار حدث للواء الإسكندرونة فكتبت في الحال مقإلا نشر في جريدة الشرق (انظر ج 2 ص 95) حملت فيه على محاولة الأتراك خرق الحدود الشمالية وأتبعت هذا المقال بمذكرة إلى الجمعية الأممية (أنظر ج 2 ص 58) أبين فيها المشاكل التي تنشأ في الشرق الأدنى من فصل هذا اللواء السوري عن جسم الوطن، وفي حين أن سياسيي الداخل لم يظهروا أية محاولة جدية لإنقاذ مصير اللواء، أعلنت أنّ ألوف السوريين القوميين مستعدون للدفاع عن الإسكندرونة.
ثم زرت منطقة الشوف التي يجري فيها نزاع شديد بين الحركة القومية ونفوذ الإقطاعيين. وكان للحزب السوري القومي في الشوف موقف باهر بعظمته تجاه القوى المسلحة التي لم يكن لقدومها مبرر. وتلا زيارة منطقة الشوف الاستقبال الكبير في بكفيا، الذي يكوّن في حياة الحزب نقطة تاريخية. في بكفيا ظهرت متانة نظام الحزب وقوة معنوياته بأبرز مظاهرها. في بكفيا أظهر الحزب السوري القومي تفوقه المعنوي. فهو لم يكن قادماً لحرب أو لقتال ولكنه أظهر تفوقاً عظيماً في موقفه وحمل القوة المسلحة على احترامه. وغلطة واحدة من جهة، وسوء تصرف أو سوء نية من الجهة الأخرى، أديا إلى حملة الجند على فريق الشوير وبكفيا والخنشارة وضرب عدد منهم بأقفية البنادق وفوهاتها وسقوط جريحين وحصول جروح ورضوض طفيفة لآخرين من الأعضاء.
إنّ حادث بكفيا هو اختبار هام من اختبارات الحزب السوري القومي في جهاده لقوميته وحلقة متينة من حلقات تاريخه. إنه كان من جهة اعتزازاً بقوة الحزب ونظامه، ومن جهة أخرى كان أول صدمة من هذه الصدمات التي تمر في حياة كل حزب يتطلع إلى المسؤوليات العامة. كان لا بد من حدوث هذه الصدمة لنا لنعرف كم هو استعداد الحزب لقبول الصدمات باكتراث عادي والتغلب عليها والاستمرار في السير إلى النصر. فإن الحزب الذي لا يستطيع الصمود لصدمة كصدمة بكفيا التي خبرناها بتضحيات من مقدرتنا، والحزب الذي لا يتوقع صدمات كصدمة بكفيا هو حزب غير جدير بالحياة. وإني أهنىء السوريين القوميين الذين حضروا يوم بكفيا بالموقف الشريف الذي وقفوه وصار جزءاً هاماً من تاريخ نهضتنا وجهادنا. إنّ الذين وقفوا في بكفيا سيكون لهم ذكر حميد يوم تنتصر النهضة القومية، وإنّ في موقفهم ما يشد أواصر وحدتنا ويدفعنا إلى الأمام.
بعد حادث بكفيا كانت الاعتقالات الأخيرة التي جاءت والحزب لا يزال فاقداً الشيء الكثير من حيويته المركزية بسبب الاعتقالات السابقة وجنوح عدد من المؤهلين للعمل إلى اتقاء الخطر، وهو من بقايا روحية الخنوع العتيقة، التي لا تزال عالقة بنفوس كثيرين والتي آن لنا أن نتحرر منها إذا كنا نريد تحقيق غاياتنا السامية، وإننا نريد. وكانت هذه الاعتقالات أخطر الاعتقالات في عنفها وشدتها، فتجهم الجو حتى ظن قليلو الإيمان أنّ الساعة قد دنت، وقام خصوم الحزب السوري القومي يبشرون بموته وبينهم الأحزاب الطائفية، التي أنشئت بقصد محاربة الحزب السوري القومي.
في هذه المرة أوقفت جميع المفاوضات التي كان يقوم بها عادة من تبقى خارج السجن. وتمكنت في مدة قصيرة من حمل الحكومة على الاقتناع بأن الوحدة القومية التي نريدها هي شرط اساسي للوحدة السياسية، التي صرح لنا كبار المسؤولين في الجمهورية اللبنانية أنهم لا يمانعون بها على هذا الأساس. وقد أكدت للحكومة اللبنانية أنّ غرضنا ليس هدم الكيان اللبناني، بل بناء سورية. وكانت الحكومة قد تعبت هي أيضاً من هذه المشادة على غير طائل، فرأت الإفراج عنا على هذا الأساس. وهكذا استطعت أن أصل بالحزب إلى هذه الحالة السلمية، التي تسمح لنا بتجديد معنوياتنا ومتابعة أعمالنا الإنشائية التعميرية.
بيد أنه يجب إلا يساء فهم غرضنا من ترك الكيان السياسي اللبناني. فنحن أمة واحدة سواء أكنا دولة واحدة أم عدة دول. وكل من يعتدي على قسم منا فقد اعتدى علينا جميعاً.
وقد جاءت الانتخابات اللبنانية بعد مدة قليلة من وقت خروجنا من السجن. وكان جو هذه الانتخابات متجهماً والدعاوات سائرة على قدم وساق. وبرزت الأنانيات الجامحة على المرسح. وظن بعض هذه الأنانيات أنه يستطيع تسخير الحزب السوري القومي لأغراضه وتضحيته على مذبح شهواته. أما الحزب فتجاه ما كان متراكماً عليه من القضايا الجزائية، وتجاه الحاجة إلى وقت لإعادة تنظيمه بعد نحو سنتين من اعتقالات وملاحقات، لم يكن في حالة تسمح له بخوض المعركة الانتخابية بأساليبها الطائفية الفاسدة وإمكان شراء أصوات كثيرة بالمال فضلاً عن الاتجاهات السياسية، التي كنت أرى خطوطها بجلاء. ولذلك فضلت العمل لمصلحة الحزب، لا سيما ونحن لا فرق عندنا بين حكوميين ومعارضين في السياسة الحاضرة. فكان موقف الحزب السوري القومي في الانتخابات أعظم الانتصارات السياسية.
إنّ هنالك أفراداً تعودوا تسخير الأحزاب التقليدية لمنافعهم الخاصة فظنوا أنهم ينالون من الحزب السوري القومي ما كانوا ينالونه من الأحزاب الأخرى. وقد ساء فألهم، لأن الحزب السوري القومي يقول إنّ الأفراد يسخَّرون للقضية القومية لا القضية القومية للأفراد.
في هذه الفترة السلمية الأخيرة تمكن الحزب السوري القومي من لمِّ شعثه واستعادة الشيء الكثير من معنوياته. وتمكنت من الاهتمام بقضية فلسطين فوضعت مذكرة عجلى رفعتها إلى الجمعية الأممية رداً على تقرير البعثة الملكية البريطانية. وكان لهذه المذكرة الشأن الذي تعرفونه في الدفاع عن حقوقنا القومية في الجنوب وتسديد الأفكار إلى المسائل الأساسية في قضيتنا الجنوبية.
وبعد الانتخابات اللبنانية جرت الانتخابات الجزئية في منطقة اللاذقية فخضنا المعركة وفازت جبهتنا في تلكلخ ـ الحصن. وبعد زوال هذه المشاكل الملحة تمكنت من العودة إلى الاهتمام بأهم عمل أساسي بعد تأسيس القضية القومية، إلا وهو إيجاد المؤسسات الصالحة لحمل مبادىء الحياة الجديدة وحفظ مطاليبها العليا وخططها الأساسية فأعدت المؤسسات التي أنشأتها قبل انكشاف أمر الحزب وزدت عليها مؤسسات لجان المديريات الاستشارية ومجالس المنفذيات والمكتب السياسي وشُعَبه السياسية. وفسحت بهذا العمل المجال أمام الكفاءات السورية القومية للقيام بالأعمال المؤهلة لها بصورة نظامية. وهنالك طائفة من المؤسسات الصغرى الإذاعية والثقافية هي الآن في دور التأسيس ومتى استكملت تأسيسها كانت جهازاً دقيقاً عظيم الفاعلية.
إنّ إنشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية القومية، لأن المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الاتجاه ووحدة العمل، وهي الضامن الوحيد لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات. بواسطة مؤسساتنا الحزبية المنظمة تمكنا من القضاء على الفوضى وترقية خططنا وأساليبنا. ولولا مؤسساتنا القوية ونظامها المتين لكانت العوامل الشخصية الأنانية التي برزت في بعض الظروف تمكنت من تسخير جهاد ألوف السوريين والسوريات لمطامعها.
كثير من الناس الذين لا يعلمون شيئاً عن أعمالنا ولا يفقهون طبيعة الأعمال الإنشائية العظيمة يقولون: "ماذا فعل الحزب السوري القومي وماذا يفعل"؟ هكذا كانوا يتساءلون قبل انكشاف أمر الحزب السوري القومي "ماذا يعمل سعاده وما شأنه"؟ أما الحزب السوري القومي فقد حقق حتى الآن يقظة سورية ونهضتها القومية. وأما سعاده فليس بغافل لحظة واحدة عن مصلحة الأمة.
لم يبقَ أمام الذين أفلسوا من كل سياسة وطنية أو قومية صحيحة غير "القضية العربية" ستاراً لعجزهم الفاضح وللخسائر الوطنية الفادحة التي جلبتها على الأمة سياستهم العقيمة. أما نحن فقد قضينا على الخرافة القائلة إننا شرقيون وإنّ مصيرنا يجب أن يكون كمصير الشعوب الشرقية. نحن لا ندخل في عداد الشعوب الشرقية. نحن مصدر ثقافة البحر المتوسط الذي صيرناه من قبل بحراً سورياً تحمي مراكبنا سبله وتحمل إلى شواطئه الشمالية والغربية والجنوبية ثقافتنا واختراعاتنا واكتشافاتنا.
أيها القوميون،
إنّ تغلّب الحزب السوري القومي على الصعوبات العظيمة، التي وُضعت في سبيله وإثباته أفضليته للبقاء واستعادته معنوياته المثلى، وتثبيت مؤسساته بعدما لحق بها من تهديم تجعلكم الآن تشعرون أنّ لكم كياناً قومياً حقيقياً وأنكم قد جددتم صفة أمتكم التعميرية وجلدها العظيم في سبيل حقها وأهدافها العليا.
وإذا كان الحزب السوري القومي يشعر اليوم أنه أقوى وأمتن من أي زمن سابق فهذه الحقيقة نتيجة عودته إلى آدابه وتقاليده المثلى، ونتيجة تطهيره من الجواسيس ومن الذين ارادوا أن يجعلوه مطية لأنانياتهم.
إنّ أكثر الذين طُردوا من الحزب السوري القومي كانوا انتهازيين تأتي مطامعهم قبل القضية القومية. وبقاؤهم في الحزب بعد ظهور غاياتهم وخياناتهم كان يجعل قضية الحزب في خطر دائم. هنالك عدد من الناس يظن أنّ طرد الخائنين والمتلاعبين هو غلط أو سابق لأوانه فيقول: "انظروا كيف صبر هتلر أو غيره على الذين كان يشعر بخيانتهم لقضيته" وهم يعنون أن نصبر على الخونة إلى أن ننال النصر. فأجيب على هذا الظن أنّ الأسباب التي عندي تختلف عن الأسباب التي عند غيري، وقد تساهلت مع الانتهازيين ما وجدت إلى التساهل سبيلاً فلما رأيتهم يعرّضون الحزب للخطر أقصيتهم. وإني أوصيكم بالقضاء على الخيانة أينما وجدتموها، لأنه إذا لم نتخلص من الخيانات لا نبلغ الغاية. والمجتمع الذي يحتضن الخيانة ويفسح لها مجال الحياة مجتمع مصيره إلى الموت المحتم. وإني أعرف جيداً ما أقول وما أفعل. وبالعناية عينها التي أسست بها الحزب وأنشأت مؤسساته أسهر عليه وعلى هذه المؤسسات لتعطي النتيجة التي أنشئت لها.
والآن وقد تغلبنا على الصدمات الأولى وثبتنا مؤسساتنا فإننا نرى طريقنا واضحاً، ونلتفت إلى ما حولنا بثقة تامة بالنصر. فكل ما يجري الآن على مرسح السياسة إنما هو تدجيل. ففي لبنان يتراشق الحكوميون والمعارضون وليس من وراء هذا التراشق أية فائدة للشعب. وكذلك الحال في الشام. ونحن نقول إنّ الأمة ليست محتاجة لإسقاط هذه الوزارة وتأليف تلك الوزارة، بل هي بحاجة لتغيير السياسيين الكلاسيكيين العفنين، وأساليبهم الفاسدة. إنّ المدرسة السياسية القديمة يجب أن تزول كلها وتحل محلها مدرسة السياسة القومية لكي يمكن الإصلاح. وما أقوله في صدد لبنان والشام أقوله في صدد فلسطين، فالسياسيون الكلاسيكيون هناك لم يتمكنوا من إيجاد أي دفاع مجدٍ يصدّ الخطر اليهودي، لأن أساليبهم لا تزال من ذلك النوع العتيق المسيطرة فيه الصفة الاعتباطية والأنانية المغررة بالشعب.
ولا بد لي من التصريح في هذا الموقف أنّ الخطر اليهودي هو أحد خطرين أمرهما مستفحل وشرهما مستطير. والثاني هو الخطر التركي. وهذان الخطران هما اللذان دعوت الأمة السورية جمعاء لتأييد الحزب السوري القومي في مناهضتهما في مواقفي العديدة منذ نحو سنتين. أما الخطر التركي فقد أصبح مداهماً بعد نزع السيادة السورية عن لواء الإسكندرونة. وأما الخطر اليهودي فقد أصبح مداهماً بعد فشل ثورة 1936 وتدخل عناصر غير سورية في مسائلنا الجنوبية.
ولا ينحصر خطر اليهود في فلسطين، بل هو يتناول لبنان والشام أيضاً. إنه خطر على الشعب السوري كله، لأن اليهود لن يكتفوا بالاستيلاء على فلسطين، ففلسطين لا تكفي لإسكان ملايين اليهود، الذين اثاروا عليهم الأمم النازلين في أوطانها بقدر ما عملوا لقضية قومية خاصة بهم. وهم منذ اليوم يقولون: "الحمد لله أننا أصبحنا نقدر أن نمارس الرياضة الشتوية في أرض إسرائيل" يعني التزحلق على الثلج في لبنان! أيدرك الآن اللبنانيون المغرقون في لبنانيتهم ما هي الأخطار التي تهدد الشعب اللبناني؟
إنني عندما أقول: إننا ننظر إلى المستقبل بثقة تامة بالنصر، أعني أنّ الأمة ستكون معنا، لأن الحزب السوري القومي يمثّل مصالحها وإرادتها وقوّتها، ولأنه الحزب الذي يهتم بمسائلها الأساسية الحيوية بينما السياسيون التقليديون يحاولون التغرير بها بشعوذاتهم، وإننا نؤمن أنّ الشباب في لبنان وفلسطين والشام لا يلبث أن يدرك أنّ الأحزاب التي أنشئت على غرار الحزب السوري القومي بقصد محاربة هذا الحزب أو بقصد منع الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد حزبنا تحقيقه هي حرب على الأمة وضربة على الشعب. وإنّ أهدافها الحقيرة وعواملها الرجعية تزيد في خفضه وتقييده بدلاً من تحريره ورفعه إلى الإدراك العالي والمطالب السامية. إننا نثق بأن الشباب المستيقظ على نور القومية المرسل من الحزب السوري القومي سيدرك جيداً أنّ الرجعة المنظمة شر من الرجعة غير المنظمة.
إنّ الشعب سيدرك أنّ مسألة الديون لا تُحلّ بفضّ مشكلة الدائن والمديون. وإنّ الزراعة لا تكون مورداً قومياً بواسطة مشاريع الري. وإنّ الصناعة لا تتحسّن وتسد حاجاتنا بمجرّد إعفائها من الرسوم على الآلات المستوردة. وإنّ التجارة لا تزدهر بتعديل القوانين التجارية. إنه سيدرك أنّ حل جميع هذه المسائل لمصلحة الأمة لا يكون إلا بتحقيق قضية الحزب السوري القومي.
إنّ نهضتنا القومية قد أصبحت أمراً واقعاً. وإننا نعمل ونثق بأنها ستحقق غايتها وتنفّذ الإصلاح الذي تحتاج إليه الأمة.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.