النهضة، بيروت،
العدد 106،
3/3/1938
ما كاد يوم مولد سعاده يأزف حتى أخذ الشعب المستيقظ في طول سورية وعرضها يتحرك ويستعد للعيد، كأن تياراً كهربائياً انطلق فيه. وكانت الاستعدادات الشعبية في لبنان أكثرها نشاطاً وحركة. وقد رأت هذه الجريدة المؤمنة بالنهضة القومية التي ولّدها سعاده في وطننا أن تنزل عند رغبة الشعب وتفرد عدداً خاصاً بأفكار وعواطف أبناء الأمة المعبرين عن اليقظة الجديدة، المتجهة نحو الزعيم في ذكرى مولده السعيد. فساءت هذه الحركة التجديدية في حياة الأمة مراكز الرجعة ومقامات السياسة الدينية التي ترى في فلاح الحركة القومية انهيار نفوذها وسيطرتها على الشعب السليم النية، وقضاء على الأوهام التي سمّمت الشعب بها وجعلته عبداً لها، فأحدثت ضجة عظيمة وأوهمت بعض الناس الذين لا يزالون يؤخذون بأساليبها أنّ في البلاد جيوشاً جرارة ستزحف على الشعب المبتهج بعيد مولد منقذه، وتجعل الأرض تميد بجحافلها فتنزع من دائرة الأمن العام سلطتها وتتولى البطش بالشعب. وواضح أنّ القصد من هذه الضجة هو التأثير على الحكومة لتسارع إلى اتخاذ تدابير تقي الجزويت والإكليريكيين الفضيحة الكبرى المعرّضين لها بمناسبة أول مارس/ آذار.
وقد فات هذه الطغمات أنّ زمن استعباد الشعب قد مضى، وأنّ الحكومة التي تحترم نفسها هي الحكومة التي تحترم شعبها فلا تمنع أفراحه ولا تقتل روحيته ولا تنزله منازل العبودية. لذلك رأت أن تعمد إلى أساليبها وفنونها فاستخدمت عدداً من الجرائد لنشر أخبار مغرضة. فصدرت في الثامن والعشرين من الشهر الماضي جريدة البيرق بعنوان ضخم: "شباب الكتائب يقررون منع تجمّع الحزب السوري بالغبيرة". وتحت هذا العنوان كلام مغرض (Tendencieux) عن ملحق هذه الجريدة "وتصريحاً" بلسان السيد بيير الجميّل فيه صخب كثير، وإنكار على اللبنانيين غير النفر القليل الهزيل العامل معه تحت كنف المراجع الدينية، أن يكون لهم حرية معتقد أو رأي مستقل.
ووزع من هذه "المسطرة" الصادرة في البيرق نسخ نشرتها البشير ولجور ونقلتها الأحوال في عدد أمس وقد أرسلنا مندوبنا الذي اتصل بوكيل عميد الإذاعة وسأله عن كلام البيرق ولجور عن حصول خلاف في الرأي في الحزب فقال الوكيل:
"ليس هذا الكلام سوى إشاعة ملفقة مغرضة. وهو لا يدل إلا على جهل محرري هاتين الجريدتين نظام الحزب واختصاص مؤسساته وكيفية تقرير شؤونه، فضلاً عن روحيته".
ومما يجدر بالذكر أنّ "تصريح" السيد بيير الجميّل كان له وقع سيِّىء في أوساط الشعب. ونرجح أنه كان له مثل هذا الوقع عند المنضمين إلى "الكتائب اللبنانية" عن حسن نية. وفيه يتجلى البون الشاسع بين موقف الزعيم من "الكتائب اللبنانية" ومترئسها بيير الجميّل في حوادث حل الأحزاب الببغائية التي أنشأتها الرجعة، ولا هدف لها غير مقاومة نهضة الحزب السوري القومي الرامية إلى تحرير الشعب من مستعبديه الإقطاعيين والمتلاعبين بمقدّراته، وموقف هذا الشاب المغرر به من الاحتفال بذكرى مولد الزعيم، حتى ليقال عند الكثير من الناس إنّ السيد بيير الجميّل ليس سوى آلة تستعملها الرجعة لأغراضها.
وتريد هذه الحملة الرجعية الفارغة أن تعود إلى إيهام الناس أنّ الكيان اللبناني يخص بعض اللبنانيين الذين لهم وحدهم حق التصرف به. وفي هذه الحملة تحدٍّ لشعور الشعب اللبناني وكرامته ليس بعده تحدٍّ. ولكن الشعب قابل هذا التحدي بما يستحقه من عدم المبالاة وبمتابعة الأفراح ومعالم الزينة. وبهذه المناسبة نريد أن نوجه كلمة إلى أولي الأمر إلا يؤخذوا بعد الآن بهذه الأساليب الخداعة، خصوصاً بعد أن تبيّن لهم أنّ الشعب قد كذّبهم في ادعاءاتهم تكذيباً قاطعاً، فقد جرت الاحتفالات بمولد الزعيم في جميع مناطق لبنان دون أن تحدث حادثة واحدة مما هوّل به الرجعيون واقاموا له الأراجيف.
أما جريدة البشير فقد اتخذت موقفاً غريباً جداً يسيء إلى الشعب اللبناني إساءة كبرى. فهي تتمنى على الحكومة أن تستصدر مرسوماً بتعطيل النهضة القومية الصادرة من صميم الشعب في لبنان، وإلغاء امتيازها في حين تبقي عليها هي البشير الصادرة عن جمعية جزويتية أجنبية في البلاد. وفي هذا ما فيه من المسّ بكرامة الشعب اللبناني.
إذا كانت جريدة البشير تدّعي أنّ الشعب اللبناني ليس سوى قطيع تسوقه جماعة الجزويت، فإن مثل هذا الادعاء كان يكون له بعض الصحة قبل النهضة القومية فبعد النهضة القومية لم يعد لبنان مقاطعة للجزويت ومن يدّعي تمثيل الشعب عليه أن يتوجه إلى الشعب، بدلاً من أن ينادي السلطات لتأييد نفوذه الذي مات.
الحقيقة أنّ يوم أول مارس/ آذار كان مظهراً شعبياً رائعاً سجّل للنهضة القومية انتصاراً باهراً كما سجّل للرجعة فشلاً باهراً وانخذإلا تاماً.
