النهضة، بيروت،
العدد 111،
9/3/1938
تسجل الصحف "الكتلوية" نفي رجال المعارضة الطعن في رجال الحكم وتوزيع مناشير تطعن في الحكومة ورجالها، كمن يسجل على خصمه تراجعاً وانخذالاً. وتحاول البيئة الكتلوية أن تظهر في هذه الحالة بمظهر الظافر القوي المعنويات.
ليس لنا أي دليل على أنّ رجال المعارضة وضعوا المناشير التي وُزِّعت أو لا على أنهم هم الذين يسببون حالة القلق والخوف والشعور بسوء الحال. فقد يكونون هم المتقدمين لقيادة هذا الشعور الناشيء عن الخسائر الوطنية وسوء السياسة وفقد الروح القومية.
الحقيقة أنّ عَمْدَ الحكومة الشامية إلى اعتقال مترئسي الشعور الشعبي بالحالة السيئة وبينهم نائب له حصانته ليس دليلاً على قوة الحكومة بقدر ما هو دليل على خطورة الحالة الداخلية. فسياسة البطش لا تستعمل عادة إلا حيث تفشل الإدارة في سياسة الإصلاح.
لا شك في أنّ المعارضة نشأت بناءً على وجود استياء في أوساط الشعب من النتائج التي وصلت إليها السياسة الكتلوية، وأنها لم تفكر في أسس الإنشاء القومي ولم تجعل مواد الإنشاء القومي هدفها الواضح، وأنها اكتفت بانتقاد الحكومة والحملة على سياستها المقصرة واقتصرت على تحريك الاستياء. ولكن كل ذلك لا يعني أنها هي السبب في ما يلمسه المرء من الشعور بالخيبة في الأوساط الشعبية من النتائج السيئة التي بلغت إليها الأمة على عهد السياسة الجديدة.
وعلى افتراض أنّ الحكومة نكلت بمؤلفي جبهة المعارضة، فهل تزول حاجة الشعب إلى عهد جديد وحركة إنشائية تتكفل بالإصلاح القومي، وإلى وجوب تغيير الحال المضطرب ووضع الأهداف القومية محل الرطانة "الوطنية" وتوحيد جماعات الأمة ومصالحها في النهضة القومية؟
لا نعتقد أنّ توحيد الحكم يكون وحده أساساً كافياً لتثبيت دولة ناشئة. والكتلويون الذين لم تكن لهم أهداف غير هدف إبدال المعاهدة بالانتداب وتوحيد الحكم في البقاع الداخلية، قد أصابوا أهدافهم القصيرة كلها وهم الآن يحاولون تمييز أهداف جديدة، فلا يتمكنون، ولذلك نرى أنه يخبطون على غير هدى في محاولات سياسية غير مجدية، لأنها خالية من الاستناد إلى القوى السياسية الحقيقية، وغير مؤيدة بمطاليب قومية تعبّر عن مصلحة الأمة وإرادتها. فسياستهم الآن مبنية على بذل كل شيء في سبيل الاحتفاظ بما أدركوه، كأنه الحالة التي لا غنى عنها، في حين أنّ الأمة تحتاج الآن إلى السياسة القومية التي ترى قوة الدولة في قوة الأمة ومتانة وحدتها، لا بالسيطرة على التفسخ الداخلي بالعلاقات الخارجية والاتفاقات السياسية.
تواجه الأمة حالة إنترناسيونية مخيفة وهي مجزأة في داخليتها إلى مذاهب وعناصر تهددها بالتفكك لدى أول صدمة. ومع ذلك فإن السياسة العرقية الشخصية التي اتبعت في الشام لم تزد الحالة الداخلية إلا سوءاً.
وقد كان في الإمكان تدارك هذا الأمر بفسح المجال للحزب السوري القومي للقيام بمهمته القومية الإصلاحية، بعيداً عن الإدارة ومعاوناً لها. ولكن يظهر أنّ "الكتلويين الصغار" رأوا أن يدفعوا "الكتلة" في اتجاه احتكاري وتنظيمها تنظيم حزب يقوم على الحكم، ويعمل على الاحتفاظ به. ولما كان هذا الهدف الجديد للحزب الكتلوي لا يعبّر عن حاجة الأمة ولا عن مطالبها العليا فكان من البديهي أن تؤدي هذه السياسة إلى خيبة يصدر عنها استياء في الأوساط الشعبية.
ولن تغني سياسة البطش عن الحاجة إلى الحركة القومية الجديدة. حتى ولا التقليد يغني عن هذه الحركة. فإن انشاء القمصان الحديدية على طراز "ميليشيا" الحزب السوري القومي وبأنظمة مستمدة من أنظمتها قد انتهى بالفشل.
إذا كان "العهد الوطني الجديد" الذي ينادون به يقضي بوجود الأمة جبهة واحدة، فهذا يعني أنّ الكتلويين أنفسهم مسؤولون عن التعاون لتوليد هذه الجبهة كمسؤولية غيرهم. ولكنهم في جميع تصرفاتهم ينكرون على الآخرين حق الوجود والعمل ويريدون الأمة وحدة، لا بالشعور الناتج عن تحقيق المبادىء القومية، بل بالقوة المستمدة من الحكم.
ليس هذا الوقت الحرج وقت التسليم بالسياسة الخرقاء في سبيل المحافظة على وحدة صفوف وهمية، بل هو موقف إدراك الحقائق والاعتراف بها، وإحلال سياسة التفاهم والتعاون محل سياسة البطش.
