رأي النهضة - [عبد الرحمن] الشهبندر يقول...

النهضة، بيروت،
العدد 117،
16/3/1938

نشرت رصيفتنا النهار في عددها الصادر في العاشر من الجاري حديثاً للدكتور شهبندر مع الأستاذ تيسير ظبيان ورد عليها من "دار الإذاعة والنشر المصرية".
في هذا الحديث يصرح الدكتور شهبندر أنه يَعُدُّ نشر الرسائل الرسمية التي تبادلتها الحكومة الشامية مع وزارة الخارجية الفرنسوية "من الأمور الهامة التي سيعتمد عليها في تنظيم الصفوف".
كل الذين تتبعوا مواقف الدكتور شهبندر بعد عودته إلى سورية مع المجاهدين الذين شملهم العفو يعرفون أنّ الشهبندر تكلم كثيراً في تلك الأثناء عن "توحيد الصفوف"، وأنه قادم وعلى لسانه رسالة هي رسالة التوحيد هذه. ومنذ ذلك الوقت وأوساط الشعب الشامي المستاءة من تطور الشؤون السياسية، التي أولت تصريحات الدكتور شهبندر ثقة وحسن ظن، تنتظر ظهور هذه الرسالة. ولكن الدكتور شهبندر غادر سورية غير تارك فيها سوى بعض الخطب المشوشة، التي لا أثر فيها لرسالة أو لشبه رسالة وغير بعض الأصدقاء يكتب إليهم بين حين وآخر، تارة يحثهم على تأليف حزب "على غرار الحزب السوري القومي" وطوراً يحثهم على استغلال ظروف الاستياء واكتساب القوة السياسية.
وأية رسالة يقدر أن يأتي بها الدكتور شهبندر؟ فرسالة العروبة الإسلامية هي من عمل رجال الدين والمتعصبين للدين. ورسالة القومية السورية اللادينية الموحدة جماعات الأمة السورية في وحدة المصالح ووحدة الحقوق والواجبات قد جاء بها سعاده وحملها الحزب السوري القومي، وأخذ يوحد صفوف الأمة وينظمها وفاقاً لها. ورسالة التوفيق بين ما هو ديني وما هو قومي رسالة عقيمة لا يمكنها أن توحد صفوفاً ولا أن تنظم صفوفاً.
والظاهر أنّ الدكتور شهبندر قد أدرك أخيراً أنّ الرسالة لا تجيء بمجرّد الرغبة في حمل رسالة أو توليد رسالة. فطموح المرء لأن يكون صاحب رسالة لا يوجد رسالة، وإذا أوجدها كانت من ذلك النوع الفردي الشخصي فتحيا معه وتلازمه وتقتصر عليه وتموت بموته. فالرسالة العامة التي لا تموت هي الرسالة المبنية على فهم عميق للحياة وأسبابها ومطالبها العليا المتضمنة معنى هذه الحياة ومصلحتها وإرادتها. أما فهم بعض أجزاء الحياة أو بعض مظاهرها وإيجاد رسالة عامة مبنية على هذا الفهم الجزئي فمحاولة عقيمة. والأمة التي تنتظر خيراً من مثل هذه الرسالة أمة تطلب أن ترتوي من السراب.
يرى الدكتور شهبندر أنّ رسالة الحياة للأمة السورية قد تمّت في الحزب السوري القومي الذي أوجد أسباب وحدة الصفوف وتنظيمها. ولذلك فهو قد عدل عن الدعوة إلى توحيد الصفوف إلى القول بأنه يريد "تنظيم الصفوف".
ويبدو من هذا الكلام أنّ الدكتور شهبندر نفسه الذي يكتب إلى أحد أصدقائه في تأليف حزب "على غرار الحزب السوري القومي" يريد أن يوهم الناس بأنه هو الذي سينظم ولكنه يعود فيقول لمحدثه في سياق الحديث:
"والذي أرجوه لهم (أي للشباب) كثيراً أن يبادروا إلى تنظيم صفوفهم تنظيماً جديداً بحيث ينسجون على المنوال الذي سلكته الأمم الحية قبلنا. لأن في التنظيم قوة تقضي على الفوضى".
وهنا يظهر الشهبندر أنه ليس هو الذي يريد أن ينظم، بل يريد من الشباب أن ينظم نفسه بالاقتباس من الأمم الأخرى. ولا ندري إذا كان الدكتور شهبندر يفقه الامتهان الذي يضرب به وجه الأمة السورية بتجريدها من عوامل التنظيم الأصلية المنبثقة منها التي يصح أن تقتبس عنها الأمم الأخرى.
ألم يُظهر الدكتور شهبندر إعجابه بمبادىء الحزب السوري القومي ونظامه الرائع مراراً عديدة؟
ألم يُظهر عدد كبير من المفكرين الوطنيين والأجانب إعجابهم الشديد بنهضة الحزب السوري القومي ورسالته القومية ونظامه البديع الذي أخذت تقتبس عنه الهيئات والمنظمات السياسية في الوطن وخارجه؟
كم هو الفرق بين عبارة الدكتور شهبندر الاقتباسية الحاملة كل روحية العهد القديم وعبارة الزعيم الحاملة حيوية النهضة القومية القائلة:
"إنّ في النفس السورية كل علم وكل فن وكل فلسفة في العالم".
أوَلم يكن الدكتور شهبندر هو نفسه متأثراً برسالة الزعيم ونظام الحزب السوري القومي حين قال: "لأن في التنظيم قوة تقضي على الفوضى"؟
أليس سعاده هو الذي جاء بفكرة التنظيم والنظام؟ أوَلم تصبح هذه الفكرة حقيقة في الحزب السوري القومي؟
فلماذا يريد الدكتور شهبندر أن يغمط حق الأمة وحق نهضتها القومية فيجرّدها من النظام والتنظيم؟ ألكي يقال إنّ الدكتور شهبندر هو الذي دعا الشباب إلى التنظيم؟
إنّ النهضة القومية لا تغمط أحداً من العاملين الوطنيين حقه فلماذا يريد العاملون أن يغمطوها حقها؟
أما كان أجدر وأشرف بالدكتور شهبندر أن يقول: إنّ النهضة القومية قد وُجدت والنظام قد وُجد فما على الشباب إلا أن يدخل في صفوف الحزب السوري القومي ليعمل بنظام لحياة أمته؟
إنّ حديث الدكتور شهبندر كان يجب أن يكون أكثر تقديراً لنهضة أمته وعواملها.

 

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.