رأي النهضة - تحريض الحكومة على الشعب

النهضة، بيروت،
العدد 118،
17/3/1938


في مقالة سابقة (ص 225 أعلاه) عرضنا لعمل الجمعية الجزويتية الأجنبية في سورية ولتدخلها في جميع شؤون الشعب، لأنها جمعية لا تقتصر على التبشير الديني والاهتمام بالروحيات بل تقوم بأعمال سياسية خفية خدمة لأغراضها المشتملة على شيء كثير من استغلال سلامة طوية الشعب السوري واستعباده لنفوذها، وبذل مصالحه في سبيل مصالحها الأجنبية.
والظاهر أنّ مقالتنا الأولى كان لها أثر كبير في نفس الشعب فنبهته لطبيعة جمعية الجزويت الأجنبية وأعمالها الخفية والعلنية ضد مصلحته. فصار يفهم الآن ما هي هذه الجمعية الدينية الأجنبية المتخذة من الشعب اللبناني ستاراً تستر به أغراضها الحقيقية، وسلاحاً تطعن به الشعب اللبناني في صميمه، في حياته، وكرامته وحقوقه. فهي لا تفتأ تتكلم باسم لبنان كما لو كان مقاطعة حق السيادة فيها لجمعية الجزويت لا للشعب اللبناني، ضاربة بحريّة اللبنانيين عرض الحائط.
وقد ساء هذه الجمعية الأجنبية ظهور جريدة النهضة الحاملة رسالة النهضة القومية المستمدة من حياة الأمة المعبرة عن إرادتها، لأنها ستكون عاملاً أولياً في تنبيه الشعب لحقوقه وللجمعيات الأجنبية العاملة على هضم هذه الحقوق وتسميم الشعب لينقاد انقياداً أعمى لأغراضها التي تسترها بستار من أسماء وطنية.
وساء هذه الجمعية، بنوع خاص، ظهور مقالنا الأول في حقيقتها المستورة، الذي كشف أمرها وأظهر للشعب خطرها على مصالحه وشخصيته وإرادته، خصوصاً الشعب في لبنان، إذ تأتيه هذه الجمعية عن طريق الدين فتشبّه له أن لا حياة له إلا بالسياسة الدينية، وتحارب الفكرة القومية التي توحّد جماعات الأمة وتجعلها قوية في حقها ومطالبها العليا، وتعمل لبقاء الانقسامات الداخلية على أساس الدين لتتمم أغراضها الأجنبية ويظل الشعب عبداً لها وللإرادات الأجنبية.
ساء جمعية الجزويت ظهور النهضة القومية وساءها ظهور جريدة النهضة وساءها أيضاً صدور مقالنا الأول الذي يعيّن محل هذه الجمعية الأجنبية من حياة الأمة السورية والشعب اللبناني. فعادت تحمل على الحزب السوري القومي وعلى جريدة النهضة في جريدتها الدينية الأجنبية البشير وتنادي بأن لبنان قد ذهب إلى السوريين القوميين وتحرض الحكومة عليهم وعلى جريدة النهضة.
إنّ هذه الصورة: تحريض الحكومة على السوريين القوميين وعلى جريدة النهضة، تدلنا دلالة جلية على طبيعة هذه الجمعية ومركزها، فهي تدرك أنّ تعاليم النهضة القومية تتغلغل في أوساط الشعب وتحرره من عبوديتها وعبودية الإرادات الأجنبية. إنها تدرك أنّ قبضتها على الشعب اللبناني ومصالحه تنحلّ وتتفكك بسرعة بفعل النهضة القومية، فتحاول القيام بمجهود أخير لإيقاف هذا العمل العظيم المحرر للشعب اللبناني من السياسات الدينية المجزئة التي جعلته مقسماً، متنابذاً خاضعاً، ضائع السيادة والحقوق. وقد ظهر هذا المجهود بتكبير جريدة هذه الجمعية الأجنبية البشير وبحملة هذه الجريدة على قوميي لبنان الذين هم من صميم الشعب اللبناني، بل صميمه وقوّته وممثلو مصالحه وإرادته وحماته من مقسميه ومجزئيه وقاتلي معنوياته ومن المستهزئين بحقوقه، ومن جميع العاملين على تسخيره لمطامعهم وأهوائهم.
إنّ جمعية الجزويت تدرك اليوم أنّ ظل سلطانها على الشعب اللبناني قد أخذ يتقلص أمام أنوار النهضة القومية، وأنّ مكانتها القديمة في قلب الشعب السليم الطوية قد أخذت تزول تجاه تنبّه الشعب بفعل النهضة القومية، حتى أنّ اللبنانيين الذين يحترمون أنفسهم ويعززون كرامة شعبهم أخذوا يشيحون بوجوههم عن جريدة البشير الجزويتية الأجنبية العاملة على تسميم أفكار الشعب اللبناني وقتل إرادته ومعنوياته، ويعرضون عن مطالعتها مدركين أنّ الشعب اللبناني ليس بحاجة لهذه الجريدة الأجنبية للتعبير عن إرادته ومطالبه العليا، وأنّ اللبنانيين يقدرون على تسوية مسائلهم الفكرية بعضهم مع بعض بدون هذه المساعدات الأجنبية المغرضة.
تدرك جمعية الجزويت اليوم كل هذه الحقائق الجديدة وتدرك بالنتيجة أنّ الشعب بعيد عنها فهي لا تجسر على مخاطبته، إذ إنّ ذلك يكون عبثاً فالشعب لم يعد يؤخذ بحبائلها، فتخاطب الحكومة وتتملقها بعبارات الزلفى طالبة منها أن تتدخل في شؤون الشعب الفكرية والروحية، وتقتل حريته الفكرية وتمنع تطوره، والشعب هو الذي له السيادة على حكومته التي يجب أن تخضع لمشيئته فلا تتحول إلى طغيان على سيادة الشعب وحقوقه.
تريد جمعية الجزويت أن تسيّر الحكومة سياستها وفاقاً لمصالح الجزويت لا وفاقاً لمصالح الشعب. ومثل هذا الأمر مؤامرة على حقوق اللبنانيين ومصالحهم وكرامتهم.
نحن لا نخاطب الحكومة في شأن جمعية الجزويت الأجنبية، ومن حقنا أن نخاطبها إذا شئنا، ولكننا نكتفي بتنبيه الرأي العام لتجاوز هذه الجمعية الأجنبية على شخصية اللبنانيين وامتهانها كرامتهم.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.