رأي النهضة - السياسة السرية

النهضة، بيروت،
العدد 122،
22/3/1938


صدّق المجلس الشامي على المعاهدة التي يتحول إليها الانتداب فوضع كرامة الشعب الشامي وحقوقه في ميزان السياسة الإنترناسيونية. وكان بعد جواز المعاهدة في المجلس أنّ الخطوات التي كان من الطبيعي أن تتلو عمل المجلس الشامي توقفت، وإذا بمسألة الإسكندرونة وادعاءات تركية فيها تثار فتجلو الإبهام الذي اكتنف جمود الحالة فيما يتعلق بمصير المعاهدة. ثم تلا ذلك قلاقل لواء الجزيرة والأحاديث الكثيرة التي علّقت عليها في أوساط الشعب وفي الصحف. وقد نتج عن هذه القلاقل درس طويل للمعاهدة في باريس وفي دمشق.
هذه الأمور دلّت على أنّ المعاهدة لم تكن قد تمّت، وأنها جرت بنقص كبير في التدبير والاحتياط من جانب "الوطنيين". وقد دلَّ هذا النقص على عجز فاضح في فهم المسائل السياسية والدبلوماسية. وهذا العجز يمس الشعب الشامي في حقوقه وكرامته.
ظلت المعاهدة معلقة من الجانب الفرنسي على أمور وجدت الحكومة الفرنسية أنّ مصير المعاهدة يجب أن يبقى معلقاً عليها، والمعلوم أنّ هذه الأمور نشأت اعتباراتها بعد الاتفاق النهائي على المعاهدة، ووضع نصوصها المقبولة من الطرفين وبعد جوازها في المجلس الشامي. فهي من هذه الأمور التي كان يجب أن تبقى كمسائل خاصة تتعلق بالسياسة الودية بين الطرفين المتعاقدين. أما جعلها شروطاً لقبول المعاهدة من الجانب الفرنسي فلا وجه حقوقياً له. ولكن "الكتلويين" الذين لا يكادون يصدّقون أنّ الحكم صار إليهم ارتاعوا ارتياعاً شديداً لهذا الموقف وتشبثوا بسياسة البقاء في الحكم ما أمكن.
لا ندري إذا كانت الاتفاقات الملحقة بالمعاهدة تقضي على أهم الفوائد القومية من إحلال المعاهدة محل الانتداب. فالأمر سيبقى بين الشك واليقين إلى أن نطّلع على نصوص الاتفاقات الملحقة بالمعاهدة، التي سيغيّر تصديق المعاهدة في فرنسة كل أساسها. ولكن هل نطلّع على هذه النصوص؟
إنّ السياسة المتّبعة في صدد الاتفاقات الأخيرة هي السياسة السرية. ولا ندرك الحكمة من جعلها سرية في حين أنها تتناول المصالح القومية العامة وتبتّ في الشيء الكثير من هذه المصالح. ومن هذه الجهة نرى أن لا مبرر مطلقاً لإكساب هذه الاتفاقات الإضافية للمعاهدة صفة سرية، فهي ليست تتعلق بشؤون حربية يجب إلا يذاع أمرها ولا بأي خطة مدبَّرة ستشترك الدولتان الشامية والفرنسية في اتّباعها في الوضع الإنترناسيوني، بل هي تقتصر على ترتيب بعض الشؤون الاقتصادية التي لها علاقة وثيقة بإمكانيات الأمة ومستقبلها.
تشير بعض التصريحات "الوطنية" إلى إمكانية حجب الاتفاقات الإضافية عن المجلس واعتبار عدم الحاجة إلى رأيه. فما هو الحق أو التخويل الذي تستند إليه الحكومة لاتخاذ هذا الموقف؟ إنّ مسألة مصالح الأمة ليست مسألة حزبية كتلوية بل مسألة قومية يجب أن يحيط بتفاصيلها المجلس النيابي والأوساط السياسية. أما إحاطتها بجو من الكتمان فيعني جعل الأمة كلها رهن مشيئة لم تبرهن على أهليتها لثقة مطلقة.
الحقيقة أنّ المحالفة الشامية ـ الفرنسية والمحالفة اللبنانية ـ الفرنسية تشبهان من كل وجه المحالفات التي كانت رومة تعقدها مع الشعوب التي تتغلب عليها أو تدخل تحت سيطرتها. فقد كان نظام السيطرة الرومانية يشمل المستعمرات والأحلاف. وأحلاف رومة هم الذين يجبرون على محالفتها كما تريد هي لا كما يريدون هم.
إنّ السياسة السرية في مثل هذه الظروف لا تفيد كثيراً. فإذا كان رجال الأمر اليوم عاجزين عن وضع سياسة مُحكمة للسير بالأمة نحو الارتقاء والتقدم، فالأسرار كلها تبطل تجاه إرادة الأمة المتولدة من مصالحها وحاجاتها فالشعب قد استيقظ وأخذ يدرك الفرق بين الكلام والحقائق.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.