رأي النهضة - الأحزاب البرلمانية في لبنان

النهضة، بيروت،
العدد 125،
25/3/1938


يقرأ متتبع الأخبار البرلمانية في لبنان كل يوم تقريباً خبراً من أخبار المناورات السياسية في المجلس متعلقاً بالحزبين العظيمين "الكتلة الدستورية" و"فرقة الاتحاد الوطني".
مما لا شك فيه أنّ هذين الاسمين الضخمين "الكتلة الدستورية" و"فرقة الاتحاد الوطني" يلقيان في روع غير المطّلعين في الشؤون السياسية اللبنانية أنّ هنالك حزبين عظيمين، ينقسم الشعب اللبناني فيما بينهما ويمثلان ببرنامجيهما اتجاهاته السياسية والاقتصادية، فيكونان أشبه شيء بحزبي الجمهوريين والديموقراطيين في الولايات المتحدة أو بحزبي المحافظين والأحرار أو العمال في إنكلترة.
ما أبعد هذه الصورة عن الحقيقة، فالحزبان العظيمان في المجلس اللبناني لا علاقة لهما بالشعب اللبناني على الإطلاق وكل شأنهما محصور في المجلس وبالعلاقة بين المجلس والوزارة.
الحقيقة أنّ الكتلتين المذكورتين ليستا حزبين على الإطلاق، وليس في المجلس النيابي أحزاب بالمعنى الصحيح. فالكتلتان المشار إليهما هما مسميَّان لتكتلين شخصيين يعينان توافق الخصومات الشخصية من أجل الحكم أو تضاربها، فـ "الكتلة الدستورية" التي تُعرف أيضاً بحزب بشارة الخوري هي مسمى وهمي لتوافق بعض المنافع الشخصية المتمركزة في لولب معيّن هو الأستاذ بشارة الخوري الذي يستند إلى قوة مالية تدعمه، فالأستاذ بشارة الخوري شخص طامع في رئاسة الجمهورية وطموحه إلى هذه الرئاسة الغرارة يحوجه إلى تكتل سياسي برلماني يؤيده في مطامحه على أساس تبادل المنافع. والأشخاص الذين يتكتلون حول الأستاذ بشارة الخوري يرون في تكتلهم المنافع المتبادلة بينهم وبينه، بين مطامعه ومطامعهم، فإذا صار الأستاذ بشارة الخوري رئيس جمهورية، مثلاً، كان لا بد له من السعي لجعل الوزارة من مناصريه ولتأييدهم، وحول مثل هذه الإمكانية تحتشد أسباب التكتل الشخصية. وقد أخذ هذا التكتل شكلاً حزبياً لكي لا تكون الأغراض السياسية الشخصية مجرّدة.
و"الفرقة الاتحادية" نشأت من التكتل الشخصي للأسباب المتقدمة عينها منذ نشأت المزاحمة على رئاسة الجمهورية بين الأستاذين إميل إده وبشارة الخوري في أواخر 1935. وكان خير الدين الأحدب الشخصية البرلمانية التي لعبت الدور الأول في التكتل حول رئيس الجمهورية الحاضر. فلما انتهت عملية انتخاب رئيس الجمهورية تحولت المشادة نحو الوزارة فأعلنت كتلة بشارة الخوري نفسها "كتلة نواب دستوريين" أي المطالبين بإعادة الدستور. وبعد الانتخابات الأخيرة أعلن المتكتلون حول خير الدين الأحدب أنفسهم حزب "الاتحاد الوطني". وقبل تمديد مدة رئيس الجمهورية الحالي وحصول الائتلاف على أساس هذا التمديد ومشاطرة الحكم بين الكتلتين كانت الأمور تسير نحو الاقتتال في المعركة الانتخابية من أجل هذه الأسباب الحيوية للشعب اللبناني.
في المناورات البرلمانية التي حدثت مؤخراً حول الوزارات السابقة والوزارة الأحدبية الأخيرة، تبين جلياً ما هي قيمة هذين "الحزبين" العظيمين، وما هي قوة الروابط بين أفرادهما أو أعضائهما، إذا شئت. فليس قليلاً ما حدث من انتقال نواب "دستوريين" إلى جانب خصوم "الكتلة الدستورية" وليس قليلاً ما حدث مؤخراً من خروج نواب "اتحاديين" على التضامن في "الفرقة الاتحادية" ومحاولة إيجاد تكتلات جديدة.
مما تقدم نرى أنّ المسألة في المجلس اللبناني ليست مسألة أحزاب تمثل برنامجاً أو منهاجاً بل مسألة تكتلات شخصية من أجل المصالح الشخصية تحت ستار من أسماء حزبية.
والحقيقة التي يجب أن تكون ظاهرة بكل جلاء هي أنه لا علاقة مطلقاً للتكتلات السياسية الشخصية في المجلس اللبناني بالشعب وحاجاته ومصالحه، فالشعب يجب أن يدرك ذلك ويدرك الفرق العظيم بين ما هو قومي وما هو شخصي برلماني.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.