انسحاب من الوزارة وتأييد في المجلس

النهضة، بيروت،
العدد 126،
26/3/1938


نشرت النهضة أخبار استقالة وزير المالية والدفاع ووزير الخارجية والداخلية [سعد الله الجابري] من الوزارة المردمية. وفي البريد الأخير أنّ رئيس الجمهورية رفض استقالة الوزير الأخير وأنه عاد إلى متابعة أعمال وظيفته.
ليس في الاستقالتين وظروفهما ما يدل على وجود أزمة سياسية، بل ما يدل على وجود أزمة وزارية شخصية، لأن نتائج جلسة الثقة الأخيرة برهنت على أنه لا خروج على الاتجاه السياسي المتخذ. وكل ما هنالك حملة انتقادية على الإدارة تعني شيئاً إدارياً، لا سياسياً. وهذا الشيء الإداري يعني قسماً كبيراً من المصالح الخصوصية والمطامح الشخصية، حتى أصبح الاتجاه نحو حل الأزمة الوزارية بزيادة ثلاثة وزراء جدد وجعل الوزارة سباعية بدلاً من أن تكون رباعية، الاتجاه الذي له الاعتبار الأول.
يصور لنا مستعرض الحالة السياسية الشامية في النهضة بعض نواحي الخلاف الوزاري المؤدي إلى استقالة الوزيرين المتقدم ذكرهما ويمنح هذين الوزيرين تقدير أنّ اختلافهما مع رئيس الوزارة قائم على اختلاف وجهة النظر في مدى التساهلات في المصالح القومية في المفاوضات الجارية لعقد اتفاقات إضافية تتناول النقد والنفط وما شاكل.
فإذا افترضنا أنّ هذا التصوير ينطبق على الحقيقة وجدنا أنّ موقف الوزيرين المستقيلين كان موقفاً ضعيفاً، لأنهما عادا فتضامنا مع الوزارة التي استقإلا منها، ومنحاها الثقة وهو عمل ينقض مخالفتهما لرئيس الوزارة في النهج السياسي.
قد يكون اختلاف النظر في بعض المسائل السياسية أمراً واقعاً. ولكن ما قيمة هذا الاختلاف"؟
إنّ تأييد رئيس الوزارة بعد تقديم الاستقالة لا يدل على أنّ الاختلاف من هذه الجهة هام، والراجح أنّ مسألة الاستقالة أسبابها شخصية أكثر منها سياسية، وأنه إذا كان هنالك خلاف سياسي فهو في بعض الأمور الجزئية لا في أساس السياسة المتبعة ومدى نتائجها. وهذا هو التعليل الوحيد الذي نتمكن من الوصول إليه بناءً على افتراض وجود خلاف في وجهة النظر الأسياسية. إذ لو كان الاختلاف في المسائل الساسية لكان سكوت الوزيرين بعد استقالتهما ضعفاً.
والتعليل الآخر هو المبني على افتراض الوجهة الشخصية هي الوجهة الأساسية في استقالة الوزيرين وتوليد أزمة وزارية. ففي هذه الحال لا يكون خروج الوزيرين من الوزارة خروجاً على سياسة رئيس الوزارة، بل عملية القصد منها إحراج مركز رئيس الوزارة واكتساب شيء من القوة السياسية الشخصية.
وإذا قارنّا بين الاستقالة والحملة على الإدارة في المجلس وجدنا بعض المغازي الشخصية التي تنير لنا شيئاً من الواقع.
على أنّ بعض الصحف الكتلوية تريد أن تُكسب جلسة الثقة في المجلس الشامي صبغة سياسية عليا. فتقول جريدة الإنشاء في افتتاحيتها أمس إنّ جلسة المجلس كانت "مظهراً من مظاهر حرص البلاد على هذا الدور الاستقلالي وعلى تصديق المعاهدة". ولعلها تعني حملة النائب [لطفي] الحفار على تصريحات دوكه في لجنة الانتدابات عن قلاقل الجزيرة. ثم تتابع هذه الجريدة الكلام وتقول: إنّ تأجيل إبرام المعاهدة في البرلمان الفرنسي يؤول إلى انحلال الروابط ويسبب "هذا الشعور الذي يساور الناس في البلاد، شعور السأم من سياسة يريدها الجميع صريحة وتأبى ظروف نجهل كنهها إلا أن تظل في غموضها مثار الريب والشكوك".
ونحن نرى أنّ أهم نقطة في معالجة الرصيفة هو قول المحرر "ظروف نجهل كنهها". فهذه هي الحقيقة الأساسية في كل هذا التخبط السياسي في سياسة التعاهد. فمصيبة الأمة هي في أنّ "الكتلويين" وكثيراً من السياسيين غيرهم يجهلون كنه الظروف السياسية المحيطة بالأمة السورية، التي تعيّن الاتجاهات السياسية. وجهلهم هذا هو السبب في بقاء السياسة في غموضها مثار الريب والشكوك.
فالغموض هو من هؤلاء السياسيين غير المؤهلين لشق الطريق أمام إرادة الأمة المنغمسين في وجوه النظر الشخصية. فهنالك استقالات لا يعقبها أي أثر سياسي، وهنالك اختلافات داخلية لا يدري أحد كنهها لأنها شخصية. وهنالك كتمان في المفاوضات لا مبرر له في مسألة كمسالة اتفاقات تتعلق بمصالح الأمة ويجب إلا تفرض عليها فرض الأمر الواقع على الأعداء والخصوم.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.